العولمة وتأثيراتها.. نظام الدراسة بالمراسلة نموذجاً..!
إفرازات العولمة، وما انبنى عليها من تغيير في نمط حياة كثير من الشعوب، خيمت بتأثيراتها، سلبا وإيجابا، على كافة المجالات التي تنتظم حياة الإنسان المعاصر. ومن ضمن تلك المجالات التي تأثرت برياح العولمة، ما يتصل بآلية التحصيل العلمي، وتحديدا فيما يتعلق بكيفية العلاقة بين الطالب ومراكز التعليم التي سينتسب إليها. وتتضح ملامح تأثير العولمة التعليمية جلية في هذا المجال في قلبها معادلة العلاقة بين الطالب ومراكز التعليم، من جامعات وكليات ومعاهد، من كونها كانت ذات مدى مباشر ولصيق، إلى انقلابها إلى مدى غير مباشر يتواصل بموجبه الطالب مع المركز التعليمي، الذي اختاره لمتابعة تحصيله العلمي، من على بعد مئات أو آلاف الأميال!. فبعد أن كانت آلية العلاقة بين الطالب وبين تلك المراكز، للحصول على المؤهلات منها، تتطلب السفر حيث مقر المركز أو الجامعة أو الكلية، ومن ثم التسجيل فيه/ فيها، ثم المتابعة مع الأساتذة والمشرفين، إما بواسطة الحضور المنتظم، أو بالحضور المتقطع، خاصة فيما يتصل بالبحوث التي يتطلب اجتياز متطلباته حضور الطالب بين الفينة والأخرى بين يدي أستاذه لمناقشته في فصل أو أكثر من فصول البحث. ثم الانتقال إلى خطوة أخرى من خطواته، حتى الوصول إلى النقطة الأخيرة المتمثلة بمناقشة البحث كاملا ومن ثم تقرير مدى استحقاق الطالب للدرجة العلمية المتقدم لها من عدمه.
عولمة التحصيل العلمي ألغت تلك الآلية الروتينية العتيقة وفرضت تطورا جديداً من الاتصال بين المركز التعليمي المعني والطالب، ابتداءً من التسجيل، مروراً بالاتصال بالأساتذة والمشرفين، وصولا إلى منح الدرجة العلمية.
مضمون هذا التطور الجديد في العلاقة بين الطالب والمركز التعليمي يتمثل في إحلال أجهزة الاتصال الالكترونية، كوسائط اتصال بينهما، محل نظام الاتصال النمطي القديم. إذ أصبح الطالب، بموجب التطور الجديد، يستطيع أن يسجل في المركز التعليمي الذي يريده الكترونيا، ومن ثم يبدأ في المتابعة مع الأساتذة والمشرفين فيما يتعلق ببرنامج دراسته، بما فيه بحث التخرج إن وجد، الكترونيا أيضا عن طريق تقنية البريد الالكتروني.
هذا التطور الجديد أتاح لراغبي مواصلة التعلم فرصة الحصول على ما يريدونه من مؤهلات وهم في أماكنهم من غير أن يتجشموا عناء السفر. وذلك عن طريق ما يمسى بـ "نظام الدراسة بالمراسلة".الذي، بصفته منتجا عولميا، أصبح معمولا به في كافة الدول، المتقدم منها والمتأخر.
لكن ما أن بدأ هذا النظام يحط رحاله في المملكة، بصفتها جزءاً من القرية الكونية العالمية، حتى تعرض لهجوم شرس من قبل بعض كتاب الرأي والمثقفين، . بل وحتى الوعاظ الذين لم يشاؤوا أن تمر المناسبة بدون أن يحذروا الناس من مغبة الركون إليه في التحصيل!. وتتركز، إن لم تنحصر، حجة الناقمين على هذا النوع من التعليم في أنه يُسهل للراغبين الحصول على مؤهلات من مراكز تعليمية أو جامعات غير معترف بها من قبل وزارة التعليم العالي!. وهو مبرر يمكن للمتابع المنصف أن يرد عليه، أو حتى يأتي عليه من أساسه بالاستشكال التالي:
- يوحي ربط الناقمين على ذلك النظام الجديد من التحصيل الدراسي بعدم اعتراف وزارة التعليم العالي بالمؤهلات الصادرة عنه، بأن كل المؤهلات التي كان يُحصل عليها قبل حلول "نظام الدراسة بالمراسلة" معترف بها وبمصادرها الأكاديمية من قبل الوزارة، باعتبارها متوافقة مع معاييرها. وهذا غير صحيح بالمرة. فقد كنا نتعايش، قبل حلول التطور الجديد، مع وضع كان الكثير من المواطنين السعوديين، سواء كانوا، فيما يخص الداخل، موظفين رسميين على رأس العمل، أو من منسوبي القطاع الخاص. أو من بين الموظفين السعوديين في السفارات والملحقيات في الخارج، يحصلون بموجبه على مؤهلات من جامعات، عربية وغير عربية، غير معترف بها، سواء من قبل وزارة التعليم العالي، أو من قبل الملحقيات التعليمية السعودية في الخارج. ومع ذلك فلم تكن مسألة حصولهم على تلك المؤهلات حينها تثير أي تساؤلات أو إشكالات كالتي بدأت تثيرها الآن مسألة الحصول عليها بالنظام الجديد!.لأن الجميع كان يعلم، حينها، أن ما سيترتب على تلك المؤهلات من استفادة وظيفية ستكون محكومة بنظام الخدمة المدنية، على ما سنتناوله بعد قليل. والسؤال الذي سيتولد عما أثرناه آنفا هو: ما الفرق بين الحصول على المؤهل العلمي عن طريق الارتحال إلى الجامعة المعنية والاتصال المباشر بالأساتذة والمشرفين، كالذي يحصل سابقا وربما حاليا، وبين الحصول عليها عن طريق الاتصال الالكتروني بالجامعة والأساتذة، طالما أن كلا النوعين غير معترف بمصادرهما الأكاديمية، سواء من قبل وزارة التعليم العالي أو من قبل الملحقيات التعليمية في الخارج، وطالما أن معايير القبول للوظيفة العامة ستطبق على كلا النوعين على ما سيأتي تفصيله بعد قليل؟. لماذا لم تثر طريقة الحصول على المؤهلات في النظام التقليدي أية حساسية رغم استمرارها لفترة طويلة، ورغم حصول الكثيرين على مؤهلات علمية عديدة، خاصة منها درجة الدكتوراه، عن طريقها، كالذي تثيره الآلية الالكترونية العولمية الحالية؟ يمكن للإجابة المنصفة عن هذا التساؤل أن تنسف أساس الهجوم على هذا التطور الجديد من التعليم. خاصة إذا علمنا أن من بين من تعرضوا له بالنقد هم ممن حصلوا بدورهم على مؤهلات لا تعترف وزارة التعليم العالي بمصادرها الأكاديمية!. لكنهم حصلوا عليها وفقا للآلية القديمة. أي قبل أن تثار الزوبعة الحالية.
ومع ذلك، وبدون أن ننتظر إجابة للتساؤل السابق، فإننا يمكن أن نهدئ من روع المتوجسين خيفة من النظام الجديد، إذا كان ثمة توجس هادف، بالتذكير بأن الحصول على المؤهلات العلمية، بعمومها، يتم، وفقا لطبائع الأمور، لسببين لا ثالث لهما. أما أولهما فيُعنى بالحصول على المؤهل لغرض وظيفي بحت، إما بالحصول على وظيفة جديدة، بما فيها المحسوبة على سلك التدريس الجامعي. أو بالحصول على الترقية داخل الوظيفة أو اللائحة الوظيفية المثبت عليها الموظف. وأما ثانيهما فيتمثل في الحصول على المؤهل لذاته بغرض التثقيف الذاتي فقط. وهنا نستطيع أن نؤكد، فيما يخص الغرض الأول من الحصول على المؤهل، على أن من سيحصل على أي مؤهل من أي مركز أكاديمي كان، سيضطر، عندما يتقدم بطلب التعيين ــ بموجبه ـ بالخدمة لأول مرة، لمعادلة مؤهله لدى الجهات المختصة، (وزارة التعليم العالي مثلا)، قبل تقديمه لجهة التوظيف، سواء كانت وزارة الخدمة المدنية نفسها، أو الجهة التي لديها صلاحية التعيين على وظائفها مباشرة. ومن ثم، وفقا لأنظمة الخدمة المدنية المعمول بها في المملكة، لن يُقبل طلب المتقدم للتعيين على الوظيفة الجديدة إلا إذا كان مؤهله مقبولا من الجهة المنوط بها معادلة الشهادات، وهو أمر يتم بشكل بديهي. أما في حالة من سيحصلون على المؤهلات وهم على رأس العمل الحكومي، فإنهم سيعتبرون، وفقا لنظام الخدمة المدنية، متدربين. وهنا نؤكد أنه، وفقا للائحة التدريب المعمول بها في نظام الخدمة المدنية في المملكة، لن يُقبل من تلك المؤهلات، كنقاط إضافية للموظف، إلا تلك الصادرة من مراكز تدريبية معترف بها من قبل لجنة التدريب المشكلة بموجب المادة(4/34) من لائحة التدريب المعمول بها في نظام الخدمة المدنية، والتي من بين مهامها، وفقا للمادة(5/34) من لائحة التدريب نفسها ما يلي:
- رسم السياسة العامة لتدريب الموظفين.
- قبول أو رفض طلبات الابتعاث للتدريب.
أما فيما يخص الغرض أو السبب الثاني من الحصول على المؤهل، وهو الحصول على المؤهل لذاته فقط، أي لمجرد التثقيف الذاتي، فلا أعتقد أن ثمة مشكلة منه طالما أن المتقدم للحصول عليه سيتحمل، أو وحدة القطاع الخاص الذي يعمل لديها، مسئولية تمويل تكلفة الحصول عليه. وطالما أيضا أن معايير القبول لشغل الوظائف العامة في المملكة، سواء ما يخص شغلها لأول مرة، أو ما يخص الترقي داخل فئاتها أثناء الخدمة، محكمة قانونيا بشكل جيد. بحيث لن يقبل لشغلها أو الترقي داخلها إلا من هو حاصل على المؤهلات اللازمة لذلك من مراكز تعليمية أو تدريبية معترف بها من الجهات المختصة في المملكة. ويبقى من الجدير التأكيد عليه هنا أن الحصول على المؤهلات الدراسية والتدريبية الممولة من الخزينة العامة يجب أن يخضع دوما لمعايير التصنيف الأكاديمي والعلمي للجامعات والمراكز العلمية والتدريبية، بحيث لا يجوز أن يُسمح لمن سيدرس أو يتدرب على نفقة الدولة، سواء كانت الدراسة عن طريق المنح الدراسية، أو بواسطة الابتعاث المباشر من قبل الأجهزة الحكومية، إلا بالالتحاق بالمراكز العلمية المعترف بها رسميا. أما الحصول على المؤهلات العلمية بتمويل شخصي، أو بواسطة تمويل وحدات القطاع الخاص، فلا يجب أن نوصد أمامه الأبواب. لأن التثقيف الذاتي عملية تراكمية مستمرة مدى الحياة. ولا يجب، بالتالي، أن نُحجِّم الاختيارات الدراسية أمام المواطنين جبرا لخواطر من يتوجسون خيفة من آثار العولمة.