يمكن النظر اليوم إلى قضية الغذاء العالمي باعتبارها أحد العناصر الأكثر وهناً في منظومة الأمن الدولي،وحيث باتت مجاميع كبيرة من البشر ضحية لأزمة لا تبدو مقاربة حلها مكتملة المعالم.
لقد ارتفعت أسعار القمح العالمية بمعدل 181في المائة على مدى الأشهر ال 36التي سبقت شباط فبراير من هذا العام، فيما صعدت أسعار الغذاء بنسبة 83في المائة، مقارنة بما كان عليه الحال قبل عام. وثمة توقعات باستمرار أسعار المحاصيل الغذائية في حالة ارتفاع خلال العامين 2008و 2009بالنسبة لغالبية المحاصيل الغذائية. وسوف يفرض ذلك ضغطاً إضافياً على الأسر الفقيرة التي تنفق نسبة كبيرة من دخولها على المواد الغذائية. وكذلك الحال بالنسبة لمربي الماشية وتجار الأغذية.
وتواجه قضية الغذاء اليوم ما يُطلق عليه "العاصفة مستكملة الشروط"، المؤلفة من انخفاض الإنتاج، وتدني المخزون، وزيادة إنتاج الوقود الحيوي،والجفاف، والتكلفة المرتفعة للطاقة والنقل. وتتوقع الهيئة الحكومية الدولية حول تغير المناخ انخفاض كمية الغلال الناتجة عن الزراعة التي تعتمد على المطر، في عدد من المناطق، إلى النصف بحلول العام 2020.وحسب التقديرات الدولية، فان خمسة وتسعين في المائة من الزراعة يعتمد على الأمطار.
وبالنسبة للعديد من الدول الرئيسية المصدرة للحبوب، أسفرت الأحوال الجوية غير المواتية خلال الموسم الزراعي لعام 2007عن انخفاض إنتاجها من القمح والأرز والذرة الصفراء والذرة البيضاء والدخن وغيرها. ومن شأن سوء الأحوال الجوية خلال العام 2008أن يطيل من أمد الوضع الحالي ويرفع من حدة الضغوط على كل من الدول المنتجة والمستهلكة، وعلى سوق الغذاء العالمي عامة.
وقد تسبب الجفاف في أستراليا وأوروبا الشرقية وسوء الأحوال الجوية في كندا وأوروبا الغربية وأوكرانيا في انخفاض الإمدادات من الحبوب. ونتيجة لرداءة الأحوال الجوية، انخفضت المخزونات العالمية من الذرة والقمح وفول الصويا إلى أدنى مستوياتها. وقد بلغ مخزون القمح بالذات أدنى مستوى له منذ العام 1977، كما بلغ مخزون الذرة أدنى مستوياته منذ العام 1983.وكانت دول عديدة قد نظرت إلى هذه المخزونات باعتبارها محدودة الأهمية نتيجة سنوات من الأسعار المنخفضة والمستقرة. كما أن القطاع الخاص خفض مخزوناته من أجل توفير المال، حيث كانت الإمدادات العالمية متاحة دون عناء.
تراجع الإنتاج والتصدير
وفي سياق مواز، لاحظ خبراء الزراعة انخفاض إنتاجية الأرز في تايلاند والهند، ثم تأكدوا من ذلك بعد إجراء اختبارات طويلة الأمد في الفلبين. ورأى هؤلاء أن الزراعة المكثفة تلحق الضرر بقوام التربة. كما أن الري المستخدم في هذه الزراعة قد يزيد من ملوحة الأرض. وفي مناطق معينة. ومع بلوغ الأصناف المولّدة الخاصة الحدود القصوى للإنتاج لا يغدو هناك من سبيل إلى تحسينها. وفي بعض الأحيان، فإن زيادة الطلب على الأرز قد يسفر عن اعتماد أساليب زراعية رديئة. وعلى سبيل المثال، فإن المزارعين الذين حاولوا تلبية الطلب بتكثيف الزراعة في مناطق المرتفعات الهشة قد عانوا من مشكلات التعرية وإزالة الغابات وتناقص خصوبة التربة. وتدعو الحاجة إلى أن توفر السياسات المعتمدة الحوافز الضرورية لمزارعي الأرز وأن تزودهم بالتدريب المطلوب بحيث يتمكنون من تعزيز الإنتاج دون إلحاق الضرر بالموارد الطبيعية - كما يشير الخبراء الدوليون.
ويشكل الأرز ما نسبته ثمانين في المائة من وجبات نصف سكان المعمورة. وقد نما إنتاجه بسرعة متزايدة في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وواكب بسهولة الطلب العالمي المتزايد عليه، إلا أن الإنتاج بدأ يتباطأ في تسعينيات القرن الماضي. وتشير التقديرات الدولية إلى أن هناك حاجة إلى زيادة حجم إنتاج الأرز العالمي من نحو 600مليون طن سنوياً في الوقت الراهن إلى 800مليون طن بحلول العام 2025.وارتفعت أسعار الأرز بشكل مثير منذ مطلع آذار مارس الماضي من 460دولاراً للطن إلى 780دولاراً. وكانت هذه الأسعار قد شهدت ارتفاعاً بلغ أكثر من ثلاثة أضعاف منذ أوائل العام 2006، كما ارتفعت أسعار القمح والذرة وفول الصويا إلى أكثر من الضعف. وارتفعت أسعار الحبوب عامة في العام 2007ثم عادت وارتفعت بقوة في مطلع
2008.وحسب الخبراء الدوليين، فإنه على الرغم من أن آسيا هي التي تنتج حالياً معظم محاصيل الأرز في العالم فإن لدى أفريقيا القدرة على أن تغدو منتجاً رئيسياً له. وبالنظر إلى طلب هذه القارة الشديد على الأرز فقد يكون السعي لتحقيق ذلك أمراً يستحق العناء. وفي غرب أفريقيا، على سبيل المثال، أدى العجز عن تلبية طلب المستهلكين على الأرز إلى زيادة في حجم وارداته بمقدار 400في المائة على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، وبلغ ما دفعته البلدان المعنية للحصول على هذه الواردات نحو مليار دولار في العام 1995وحده.
وساهمت القيود التي فرضت على التصدير في بلدان شتى حول العالم في تفاقم الأزمة الراهنة، فقد فرضت الهند قيوداً مشددة على صادرات الأرز من غير البسمتي، كما فرضت فيتنام حظراً على صادراته. أما تايلاند، التي تعد أكبر بلد مصدّر للأرز في العالم، فمن المتوقع أن تورد كمية قياسية للأسواق الدولية في العام 2008.وعلى صعيد آخر ذي صلة بالأزمة الراهنة، دعت الأمم المتحدة إلى إجراء نقاش دولي واسع ومستفيض حول قضية الوقود الحيوي وموقعه من مقاربة الأمن الغذائي العالمي، حيث باتت كميات كبيرة من الحبوب تذهب إلى مصانع الوقود بدلاً من أن تأخذ طريقها إلى سوق الغذاء. وأضحى بعض منتجي الأغذية يخرقون عقود التموين التي أبرموها مع التجار ووكالات الغوث الإنساني ويقبلون بدفع غرامات مالية من أجل بيع محصولهم لمعامل الوقود الحيوي حيث الأسعار العالية. إن المخزون الغذائي، بما في ذلك الذرة وزيت النخيل وبذور الزيت والسكر والكسافا يجري تحويلها اليوم إلى معامل الوقود.
التحرك الدولي المطلوب
وأياً تكن العوامل والأسباب الكامنة خلف أزمة الغذاء الراهنة، فإن الأزمة قد فعلت فعلها في الأمن الدولي ووضعت ملايين إضافية من البشر على طريق العوز والجوع. وقد حددت القمة العالمية للغذاء في العام 1996هدفاً لنفسها هو تقليص عدد الجياع في العالم إلى النصف بحلول العام 2015، وتمت إعادة تأكيد هذا الأمر في أهداف الأمم المتحدة التنموية للألفية. وعلى الرغم من ذلك، فقد بات من الواضح بعد انقضاء نصف الفترة المؤدية إلى العام 2015أن تحقيق هذا الهدف يبدو بعيداً. وقد ارتفع العدد المقدّر للأشخاص الذين يعانون الجوع، أو سوء التغذية، من 798مليوناً في العام 2000إلى حوالي 852مليوناً في الوقت الراهن.
وقد وعدت الدول الصناعية بدعم جهود مواجهة أزمة الغذاء العالمي، وأعلنت هذا الشهر عزمها العناية بتنمية الأبحاث الزراعية، وتدريب جيل جديد من علماء وخبراء الدول النامية، ونشر تكنولوجيات زراعية محسنة مكيفة محلياً، خصوصاً عبر المجموعة الاستشارية حول الأبحاث الزراعية الدولية، وعن طريق شراكات متعددة، مثل تحالف من أجل ثورة خضراء في أفريقيا. ومن جهته، أعلن البنك الدولي عن تأسيس صندوق قدره 1.2مليار دولار لتلبية حاجات عاجلة قد تحد من تداعيات أزمة الغذاء.
ومن جهته، يتمتع برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة بميزانية سنوية تبلغ ثلاثة مليارات دولار، ولديه آلاف السفن والطائرات والعربات. وعلى الرغم من ذلك، فهو لا يصل سوى إلى نحو عشرة في المائة من الجياع في العالم. ويسعى البرنامج حالياً للحصول على 755مليون دولار من الجهات المانحة للتعويض عن عجز محتمل في ميزانية العام 2008بسبب تكاليف الأغذية والنقل المرتفعة. وهذه قفزة كبيرة من نهاية شباط فبراير الماضي عندما قدر البرنامج أنه بحاجة إلى 500مليون دولار إضافي.
إن الجهود يجب أن تركز على الكيفية التي يمكن بها للزراعة أن تستمر في إنتاج كميات كافية من الأغذية لسكان العالم في ظل ظروف مناخية متغيرة. ويمكن للجهات المانحة أن تقدم في المدى القصير والمتوسط بذوراً ومخصبات للمزارعين في الدول النامية كي يستطيعوا زيادة إنتاجهم. ويمكن للمانحين أن يدعموا جهود تحديد مجموعات الأشخاص الذين أصبحوا حديثا فريسة الجوع وسوء التغذية وتزويدهم بشبكات سلامة.
إن الأمن الغذائي يتطلب كذلك سوقاً عالمية قوية ونظاماً تجارياً للأغذية والزراعة، وإن أسعار الأغذية المرتفعة بدورها تضيف ضغوطاً تضخمية، وتولد عدم توازن في الاقتصاد الكلي، خصوصاً بالنسبة إلى الدول ذات الدخل المتدني. وتبقى القضية الأهم في المقاربة المعنية بحل الأزمة هي كسر دورة الجوع التي تستمر عبر الأجيال، منتقلة من جيل لآخر. إن المطلوب اليوم هو تحرك دولي فاعل ومنسق لمعالجة الأزمة وتطويق تداعياتها الخطرة على الدول الفقيرة كما الأمن الدولي بوجه عام. وهذه مسؤولية يجب أن تتصدى لها الأطراف المعنية كافة. إنها مسؤولية سامية لا يجوز التهاون فيها.