في طريقي إلى مكتبي.. يلزمني كل يوم تقريبا أن أسير بكتفي لأعبر تلك الحشود التي تزدحم على مدخل البناية بانتظار بدء عمل البنك الذي يحتل الدور الأرضي من المبنى، ويخصص صالة تقع على المدخل لتداول الأسهم.
(شيبان) طاعنون في السن، وكهول، وعجائز، رجال ونساء أحيانا، معظمهم تتوقع ومن هيئته، وهذا مجرد حدس بأنه لا يستطيع أن يفك الحرف، منهم من ترك أسرته وصغاره على متن سيارته (البيك أب) في المواقف وتحت لهيب الشمس، ومنهم من ترك بهائمه في نفس المكان، ووقف أمام المدخل، يُعلق قدما على قدم، ليلصق هاتفه النقال على إحدى أذنيه.أسمع قبل وصولي إلى المصعد أو أثناء انتظاري لهبوطه عبارات من نوع : (وصل 28وش رايك أبيع ؟).. وغالبا ما يكون المستشار على الطرف الآخر من الهاتف بنفس المستوى المعرفي، مع فارق بسيط فيما يُعرف في هذه الأوساط ب (الذهانة)، وهنا أتساءل بيني وبين نفسي : ما الذي خطف هؤلاء الطيبين من مهنهم الأصلية في سوق الماشية أو حتى في مراعيها ليرمي بهم في حمأة هذه القوافل أمام مكاتب البنوك.. رغم كل ما ذاقوه منها من الخسائر ؟.. ما الذي دفعهم لأن يتركوا سوقهم للعمالة البنغالية التي أصبحت تحتكر معظم أسواقنا بما فيها سوق الماشية ؟ وبقدر شفقتي على هؤلاء الذين تعثروا في سوق الأسهم وهم في طريقهم إلى سوق الغنم، ويعلم الله كم أحبهم لنقاء سريرتهم حتى وهم يخرجون من جلدهم ليقتحموا لعبة الأرقام والحسابات، بقدر ما أتألم من أجلهم، وسأحكي لكم هذه الحكاية.. ففي أحد الأيام كنت في انتظار المصعد الذي تأخر كثيرا بسبب احتجازه كالعادة من قبل أحد قليلي الذوق.. كان ثمة شيخ يلف رأسه بحبل أبيض عوضا عن العقال ويندب حظه العاثر لأنه وكما فهمت قد خسر رأس ماله (ودون معرفة التفاصيل).. كان أكثر من شيخ في مثل سنه يحاولون مواساته، وقد عرض بعضهم عليه المساعدة حتى يعود إلى أسرته وقد أكمل تبضعه لهم من القهوة والطحين.المشهد يضع في مفارقة عجيبة آدم سميث وحاتم الطائي في سلة واحدة، مما يؤكد وقوع هؤلاء الطيبين ضحية لسوق لا تستقيم معه قيمهم ومبادئهم وأخلاقهم لأنه لا يعترف بها أصلا.. وهنا يتكور السؤال بحجم جبل طويل عريض : لماذا تركناهم فريسة لوهم الثراء السريع، وهم الذين ما أرادوا منه سوى تأمين دلّة تفوح برائحة الهال، وكبش يستر وجوههم أمام ضيوفهم ؟
في كل مكان في الدنيا هناك من يُشجع أصحاب المهن الصغيرة على الاحتفاظ بمهنهم دعماً لدورة الحياة الطبيعية.. إلا عندنا إذ يبدو أن هنالك من يدفعهم بأمّيتهم وجهلهم لسوق الأسهم ليسرق عرقهم في وضح النهار!!.