لبستُ (بذلة محمد نجيب) يوم العيد..
اعتمرتُ (قبعة) الرئيس المخلوع الذي هوت به (ريح التغيير).. وأبقت (بذلته) ذات النياشين..!.
أما (طربوش) الملك فاروق فكان يلبسه (عم ادريس)، يخطر به ملوّحاً ب(الباسطون)..
ذكّرني ببذلة العيد (وشنَّتها ورنَّتها) فيلم وثائقي لأول زيارة يقوم بها (نجيب) للمملكة..
ويبدو أنَّ مقاسات الأطفال من تلك (البذلة) التي كانت تُعرض في أسواقنا محدودة، حتى إنَّ أمي قد ثنت الأكمام وثبتتها بالإبرة والخيط.. واضطرت إلى تضييق (الياقة) وتلفيقها.. وتحوير (القبعة) وتقويرها.. لكيلا يختفي فيها الرأس.. أمَّا (الأكتاف) الكبيرة فقد أحدثت مشكلة حقيقية استعصت على الحل..!
احتارت أمي (وخيَّرتني) بين أنّ تبقي البذلة (مهدَّلة) كما هي أو التضحية ب(النياشين).. فاخترت أن تبقى (الأكتاف) على ما هي عليه، إذ أنَّ التضحية بالنياشين أو تحريكها ينطوي على (مخاطرة) غير مبررة بالمرَّة..!
@@@
ذكرني بهذه الفترة من طفولتي فيلم وثائقي لأول زيارة - ربما آخر زيارة - قام بها الرئيس صاحب البذلة الشهيرة (محمد نجيب)..
بعدها - في العيد التالي - ضقت ذرعاً بتلك البذلة وتحولت إلى (عقال فيصل) - الملك الشهير - يرحمه الله - وارتبطت وجدانياً بالعقال وصاحبه، وظللت أذهب إلى مسجد (ابن ريحان) في الشرفية حيث كان يصلِّي فيه (الجمعة) كما كنت - قبلها - أشاهده داخلاً أو خارجاً من مقر وزارة الخارجية المطلِّ على البحر..
أقول هذا لأصف (طفولة) ما عهدت وسائل الاتصال والإعلام والتقنيات حتى في الألعاب، تعلقت عيونها بمن تلتفُّ حوله الأحداث، وتتطاول رقابها لتكتشف.. وتتسارع خطواتها لتستوضح.. لكن الأمر لم يبلغ بنا حد (الجنون) لنذرع الأزقة كما كان يفعل (عم ادريس) و(أبو أحمد النيص)..!
وللحقيقة والتاريخ - ومن حسن الحظ - أن مجانين ذلك الزمان الذين يهيمون على وجوههم كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة.. وكان جنونهم (كركتر)، فقد كان أحدهم مغرماً بتجميع (العلب الفارغة)، يبني بها صروحاً على الرمل.. يزوِّقها كما كان يفعل (مايكل أنجلو) في سقف (السستين).. أو (دافنشي) مع لوحة (الموناليزا)!..
حتى مجنون البغدادية (طراوة) لم يكن خطراً، فكان أقصى ما يمكن أن يفعله هو أن يقتاد (السق بحماره) إلى بيته ليملأ له الحنفية..
إنه يفعل ذلك ليشرب، وهذا جنون (مبرر)..
ليت النسخة (المطوَّرة) من مجانين اليوم تجن لتأكل وتشرب بدلاً من التفنن في (تطوير) لعبة (الهوامير)!..
دائماً خيال الطفل يبحث عن المثل وهو موجود لكن وسائل وأفلام العنف التي تبث ظواهر الخطف واللهف تقتل البراءة وتبرر (القتل)..!