بين صناعة العقل،
وصناعة الآلة..
العقل هو صانع الصناعة أي أنه صانع المعرفة الأول، وأعني انه سابق على الحرفية. والمهنية، فالنار ليست هي التي تذيب الحديد ولكن العقل الذي جمع الحطب وأوقد النار، هو سبب إذابتها، ونوابغ البشر هم صناع الحضارة، والمبدعون هم الذين يغيّرون وجه التاريخ ووجه الحياة.. لكن حركة العقل الإبداعية، لا بد أن تواكبها حركة معملية إنتاجية.. بمعنى أننا في مسألة الإبداع نحتاج إلى قطبين متساويين عقل يستلهم وينظر ويبتكر، وعقل آخر يطبق وينتج..
وأعتقد أن مشكلة العرب القديمة أنهم أصحاب تنظير وليسوا أصحاب تطبيق، ولقد تفوق الغرب عندما حوّل نظرياته ومبتكراته من على الورق إلى عملية تطبيقٍ وإنتاج.. هذا الحديث كان محور النقاش مع معالي مدير جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله العثمان على هامش لقاء معالي وزير التعليم العالي بالصحفيين ورجال الإعلام في اللقاء الذي دعا له الاستاذ عبدالعزيز الشمري حيث كان حديث الوزير حديثاً ثرياً أشبع نهم الصحفيين.. والدكتور العثمان يتحرق حماسة للبحث العلمي ويسعى لتحويل جامعة الملك سعود إلى ورشة معملية كبرى.. وهذا والله عمل رائع بل هو المنطلق الصحيح نحو التنمية الوطنية الحقيقية القائمة على الإبداع والإنتاج ومعالي الدكتور عبدالله ينطلق من وعي بما يفعل وبما يريد أن يفعل فهو يتحدث وفي ذهنه خطة بل نموذج أو نماذج درسها ووقف على أمرها من خلال خبرة تراكمية ومن خلال زيارات ميدانية. فهو مثلا يتحدث عن كوريا وعن سنغافورة، كتجربتين نهضويتين فريدتين في مجال البحث العلمي حققتا الحلم.. الحلم الذي وراءه عادة حماسة وغيرة علمية وتطبيق منهجي، وبالذات في كوريا. فالدكتور العثمان يتحدث عن كوريا في أواسط الستينيات كدولة متدنية ولكنها عندما أرادت أن تنطلق نحو نهضتها الصناعية انطلقت مركزة على البحث العلمي وتطوير الجامعات بدعم من الحكومة.
قلت للدكتور عبدالله إن ما تقوم به الجامعة عمل رائع ورائد وإن الحلم والهاجس اللذين ترغب في تحقيقهما هو حلم وهاجس وطني لا يحمل همهما إلا الغيورون المحبون لأوطانهم.. لكن مشكلة الجامعة والجامعات الأخرى بل مشكلة العمل الإبداعي والمعملي بالذات لدينا أنه سيظل في إطار الفردية وسينظر إليه ككتلة تعمل في فلكها وحدها، وهذا لن يحقق الأهداف ولا الأحلام والهواجس ألتي نطمح إليها والذي أعنيه أنه لا بد أن يكون هناك تجانس وتناغم بين مصدّر الإبداع "الجامعة" ، وبين منتجه وأعني بذلك القطاع الخاص أي أننا إذا أردنا أن نبني مركزاً بحثياً داخل الجامعة فلا بد أن نبني مصنعاً بجانبه يطبق المبتكرات البحثية الإبداعية النظرية التي ولدت في الجامعة تطبيقاً مادياً محسوساً ومنتجاً من قبل القطاع الخاص.
فالجامعات هي مؤسسات لصناعة العقول.. أما مصانع القطاع الخاص وورشه فهي وسائل إنتاج وبيع واسترباح..
وهذا هو المعمول به في الغرب والشرق اليوم، فهناك علاقة عضوية وعلاقة نفعية إنتاجية بين المصنع والجامعة فكثير من الجامعات المرموقة تعتمد في ميزانيتها على بحوثها ونظرياتها المعرفية التي تبيعها للمصانع والتي هي بدورها تحوّل هذه الإبداعات النظرية إلى مادة منتجة، ولهذا فإن الحركة بين محرك وصانع الإبداع "الجامعات" ووسائل الإنتاج "المصانع" هي حركة لولبية متجانسة وتربطها آلية المنفعة المشتركة. بل يدخل فيها ويحركها عامل التحدي والتسابق نحو الإنتاج، إنتاج الإبداع النظري من خلال الجامعة، وتطبيق النظرية وتحويلها إلى آلة متطورة من قبل المصنع، إن هذه الحركة الدائرية بين مُنتج العقل ومُنتج المصنع هي السبيل إلى التطور والارتقاء وتنمية الإنسان واستغلال طاقاته المعرفية والإبداعية..
ولقد استطاعت جامعة الملك سعود أن تستقطب وفي تجربة رائدة بعض أموال القطاع الخاص من خلال الكراسي العلمية.. غير أن معظم ثروة القطاع الخاص لاتزال بكل أسف موظفة توظيفاً سلبياً جامداً لا يخدم مصلحة الوطن بل يضرها ضرراً بليغاً فغالبية هذه الثروة إما في سوق العقار، والأراضي والأتربة، والتي ترتفع أسعارها بشكل جنوني، مما يجعل المواطن العادي يشعر بالقنوط واليأس في عدم إمكانية وجود مأوى له على هذه الأرض الواسعة الشاسعة مترامية الأطراف بسبب احتكار القطاع الخاص لها حيث يصب الربح في جيوب تجار كسالى لا يمارسون أي عمل يخدم الوطن والمواطن.. وإما يوظفونها في أسواق الأسهم التي أحرقت الكثير من أموال الضعفاء والسواد الأغلب من المواطنين.. ولو تحرك القطاع الخاص وحول مشاريعه الاستثمارية من العقار والأسهم واستثمرها في حركة صناعية، وربط مشاريعه بمراكز البحوث العلمية بالجامعات فإنه يكون بذلك قد لعب دوراً وطنياً في توظيف أعداد كبيرة من المواطنين في هذه المصانع، ثم لعادت الربحية إلى الوطن، وساعد على النهضة التنموية التي توفر الأمن الصناعي، ومن ثم الأمن الوطني.. بدلاً من حالة الاستهلاك والاعتماد على ما ينتجه الآخرون، والقلق من حالة الارتهان للمنتج الخارجي..
أعود وأقول إن أعمال وآمال معالي الدكتور عبدالله العثمان وطموحه في تطوير حركة البحث العلمي بدعم معالي وزير التعليم العالي هي أعمال وأحلام الكبار الذين يمتلئون وطنية وإخلاصاً، وهذا ما جعل جامعة الملك سعود وبجدارة تتسنم رأس القائمة في تصنيف الجامعات العربية والإسلامية.
محصلة القول أنه لا بد أن يكون هناك وعي مشترك، وعقل جمعي، وثقافة جمعية توحد بين حركة الإبداع وحركة الإنتاج في منظومة علمية متساوقة، ومن ثم فإن مشاركة القطاع الخاص، وتوظيف إمكاناته المادية من أهم العوامل في إنجاح مثل هذا المشروع الطموح.
(وللحديث بقية..)