الخميس 28 رجب 1429هـ -31 يوليو2008م - العدد 14647

العودة إلى الخرافة.. حيرة اليائسين

محمد بن علي المحمود

    يؤكد كثير من الباحثين في الأنثروبولوجيا، أن الإنسان عبر رحلته الطويلة على ظهر هذا الكوكب، لا يصد إلا بالاتكاء على بعد ميتافيزيقي - أيا كانت صورة هذه الميتافيزيقيا، وأيا كان نصيبها من الحقيقية - يمنحه شيئا من الصمود في مواجهة هذا العماء الكوني الذي يقوده - في حال انتفاء هذا البعد الميتافيزيقي - إلى غير قليل من العدمية والضياع. هذا البعد لا يمنحه الأمان من خلال الأمل في المستقبل فحسب، وإنما يمنحه - أيضا - الأمان والصمود ؛ من حيث القدرة على التفسير وعلى الفهم ؛ ولو في الحدود الدنيا من الفهم والتفسير.

هذه الحاجة إلى عالم الميافيزيقيا لمواجهة العالم الفيزيقي، هي حاجة إنسانية ؛ ملازمة لكون الإنسان ليس مجرد حيوان (= داروني) فحسب، وإنما لكونه إنسانا عاقلا. ومن حيث هو عاقل، فهو لا يكتفي بفهم العالم من خلال حواسه فقط، أي لا يكتفي بالحد الحيواني، وإنما يسعى لفهم هذا العالم (وهو - كحالة وجود - من ضمن هذا العالم) بعقله. ومع كون الحواس هي الأدوات الأولية الضرورية التي يتكئ عليها العقل في استحضار المادة الأولية، إلا أن العقل الإنساني - بقدرته على التجريد - يحاول تجاوز هذه المادة الأولية، و وضعها في سياق تفسيري، يقلل من حجم هذا العماء الكوني المطبق على عالم الإنسان.

بعض المهتمين بهذا الشأن، يتصورون أن هذه الحاجة هي حاجة عاطفية فحسب، بينما هي في الواقع، حاجة عاطفية وعقلية أيضا. وهاتان الحاجتان لا يمكن الفصل بينهما. فالاطمئنان العقلي الذي يحققه توفر التفسير والفهم، هو الذي يخلق الاطمئنان العاطفي، وبدونه يستحيل.

قد يجادل كثيرون في هذه الحاجة إلى الميتافيزيقيا. لكن، تاريخ البشرية : البعيد والقريب، هو الذي يعكس هذه الحاجة. صحيح أن بعض التجمعات الإنسانية عاشت وتطورت في نطاق وعي مادي. لكن، حتى هذه التجمعات والمذاهب المادية، اضطرت - من غير وعي - أن تجعل المادة ذاتها نوعا من الماوراء، وذلك عبر الإحالة اللامتناهية إليها ؛ لتحل المادة محل كل القوى التي تصورها الإنسان منذ الأزل، منذ الإنسان البدائي، وحتى المذاهب الروحانية الخالصة، التي لم تتصور الوجود الممكن والحقيقي إلا الوجود الروحاني الخالص.

إذن، فالميتافيزيقيا هي النتاج الطبيعي لوجود العقل، العقل الذي يحمل في طياته مستوى من التجريد ؛ مهما كان انشداده إلى الواقع المحسوس. ولهذا قام بعضهم بالتهميش على المقولة الأرسطية : الإنسان حيوان عاقل، فقال : الإنسان حيوان ميتافيزيقي. فكما أن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو العقل، فكذلك ما يحتاجه هذا العقل من التفسير، يقود على نوع من الميتافيزيقيا. فهي حالة ملازمة لوجود الإنسان العاقل = الإنسان المتسائل.

على هذا، فرجوع بعض الفلاسفة والمفكرين إلى الاعتقاد بماوراء المحسوس، ليس تحولا تاما من حالة فقدان تام لهذا الماوراء، إلى حالة اعتقاد تام فيه. بل هو يكاد يكون تحولا من صورة غير واضحة ؛ تكون فيها الألوان الماورائية باهتة، إلى صورة أكثر وضوحا، تكون الأوان فيها واضحة، وربما فاقعة. وهذا التحول يقع نتيجة تمرحل الإنسان في المراحل العمرية المتنوعة، التي تختلف فيها طبيعة الفهم : تراكما ونوعا، وطبيعة الاحتياجات العاطفية، وتتنامى فيها بعض الاحتياجات على حساب بعضها الآخر.

كل هذا التحول / الرجوع طبيعي، بل وضروري ؛ ضرورة الحياة ذاتها. هذا من حيث المنحى الديني العام. أما من حيث المنحى الخاص بنا - كمسلمين - فهو واجب ديني. عندما نتحدث عن سياقنا الإسلامي الخاص، فالعودة إلى معالم محددة - شرعا - في رسالة الإسلام، لا تعني أكثر من العودة إلى رحاب الله. ولا شيء يبهج المؤمنين برسالة الإسلام الإنسانية، كأن يعود إنسان ما إلى الإسلام ؛ مؤمنا بإنسانيته وعقلانيته وفضائه الروحاني الواسع.

إذن، لا مشكلة في هذه العودة، بل هي فعل إيجابي ؛ يرفع مستوى الالتزام الأخلاقي، ويعزز من فاعلية الإنسان في المجال الإنساني. لكن، لا تتحقق هذه الإيجابية في حال كانت هذه العودة، مجرد صورة لحيرة اليائسين. اليائس يبحث عن مرفأ يطمئن إليه، خاصة بعد رحلة الإبحار الطويلة. وهذا قد يقوده إلى الوقوع في فخ الخرافة المتلبسة بالدين، بدل أن يقع على الدين في نقائه وصفائه وعقلانيته واستنارته ؛ فتكون رحلته من عالم الحيرة، رحلة نحو عالم الخرافة، أي رحلة في الاتجاه الأكثر سلبية، والأشد ضياعا.

اليائس، تتضاءل عنده مساحة الرؤية العقلانية، فيقع على الشاطئ ولو كان وهما شاطئ!. وهذا عكس الذي يبحث عن شواطئ لليقين ؛ من غير أن يصل على درجة اليأس، أو من غير أن يصل يأسه درجة المرض الذي يفقده التوازن العقلي ؛ فيقع فريسة لاختطاف العاطفي، الذي توفره في الغالب الإيديولوجيات السائدة، ذات الصوت الصاخب، الذي يضع شباكه لأسراب اليائسين.

إن اليائس يبحث في مدى حواسه، وليس في مدى عقله. وبما أن الحراك الذي يقدم معظم صور الماوراء، هو الحراك التقليدي المتخلف، المنقوع بالخرافة، فإن وقوع اليائس في شباكه يكاد يكون حتميا. دخول اليائس المفتقد لحرارة كل ما هو روحاني، إلى عالم دافئ ؛ كهذا الحراك التقليدي المليء بالتفاصيل الحركية المبنية على كل ما هو روحاني، يجعله في حالة استقالة عقلية تامة، تغتبط بما هي فيه، بعيدا عن حقيقته، وبعيدا عن ملابسات علاقته بالواقع، وبعيدا عن دوره في تحطيم مقومات التقدم الإنساني.

هذا ما تعيه الحركات التقليدية الخرافية التي تقدم نفسها كطوق نجاة. ولهذا فهي لا تبتهج بمجرد عودة (المفكر التائه!) - مثلا - إلى الإسلام، وإنما تشنع عليه، وتقدح في إسلامه ؛ لأنها لا ترضى منه بما دون التقليد والخرافة. إنها تريد من الفيلسوف أو المفكر العميق، أن يتنازل عن عقله، عن بنيته المعرفية، أن يعود إليها منزوع العقل ؛ على صورة يستحيل معها إلى كائن تقليدي بائس، يتدروش!. وطبيعي أن المفكر الحقيقي لا يقبل بهذه الاستحالة، بل لا يستطيعها حتى لو أرادها.

التقليديات تختلف في نصيبها من الخرافة ؛ مع كونها - كبنية تقليد - قائمة على الوعي الخرافي. ولهذا، فموقفها من عودة المفكر إلى الإسلام المستنير، يختلف من تقليدية لأخرى. طبعا، قد تكون بعض التقليدية ذات سلوك براجماتي في تعاطيها مع هذه العودة ؛ مع كونها أشد خرافية، فترحب بهذه العودة، وتروج لها ؛ كمحاولة استقطاب لهذا المفكر من جهة، ولتبدي نوعا من التسامح من جهة أخرى. ولعل هذا يظهر أشد ما يظهر في استقبال التقليديات لإسلامية عبدالوهاب المسيري. فإذا كان من الطبيعي أن يبتهج به الإسلام المستنير، فقد كان للتقليديات موقفان : موقف حاول استقطابه، وتوظيف حضوره الكبير لصالح رواج الإيديولوجيا الخاصة، وموقف آخر (موقف غلاة الغلاة من التقليديين الخرافيين)، لم يقبل عودته، وراءه مصدر (شبهات!) في حديثه عن الإسلام.

هكذا استقبلت التقليدية عودة : المسيري ؛ كإسلامي مستنير. وبما أنه من الطبيعي أن تكون العودة النموذجية في السياق الأصولي الحركي، هي عودة سيد قطب، التي لا ترسو غلا على ضفاف التكفير، وأن تكون العودة النموذجية في السياق الروحاني الصوفي، هي عودة منصور فهمي، فإن عودة : محمد عمارة - مثلا - تقع بين هذا القبول وذاك الرفض.

هذا يدل على أن شرط التقليدية لتقبل عودة الباحثين عن اليقين، هو الانخراط التام في التقليد والخرافة. بل لا بد أن تكون عودة تضيف إلى التقليد والخرافة، مزيجا من التكفير والإقصاء والعنصرية ؛ حتى تكون عودة خالصة، يتم قبولها، وترويجها على نحو جماهيري واسع، وكأنه انتقال من الكفر إلى الإسلام. مثل هذه العودة هي التي تكفل بقاء الحراك الخرافي، وهي التي تعزز من سطوته في القلوب، إذ تصور للجماهير أن المفكر مهما بلغ، فإن أقصى ما يستطيعه أن يرجع إليها صاغرا، فهي التي تمتلك حقائق الأولين والآخرين.