ظهرت الكلمة اللاتينية (humor) التي تعني الفكاهة في حدود القرن السادس عشر. وهي مأخوذة من اللغة الشعبية في بريطانيا بمعنى "المزاج"، ثم استعارها النقد الأدبي فيما بعد. وفي القرن الثامن عشر صار مضمونها غير واضح لدرجة أن مؤلف دائرة المعارف البريطانية أعرب عن تردده بشأنها.
وقد أتاح الاتساق الجزئي بين الكلمة والشيء - وفقًا للنقاشات من سويفت إلى جيروم ك. جيروم - وضع النظريات حول "الفكاهة" و"النكتة" باعتبارهما معًا يمثلان جنسًا من الأجناس القوليّة (genre) وعلاقتهما بالانطباع النفسي. كتب ريتشارد ستيل (Steele Richard ) في بداية القرن الثامن عشر قائلا: "إننا لا يجب أن نسخر من شخص يبكي طالما أننا لا نستطيع أن نرجع سبب هذه الدموع إلى العناد في تفكيره أو الرقة في قلبه. هل يبكي بسبب التفكير العنيد أو بسب القلب الرقيق؟" فثمة صورة مزدوجة وغامضة لتفاؤل حزين ولتشاؤم مرح، وهو ماركزت عليه الدراسات التحليلية فيما بعد.
وقبل ذلك تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الفكاهة الجديد يميل تدريجيًا إلى الانفصال عن أصله من خلال الكلمة المقابلة ل(humour) الإنجليزية التي سارت في اللغات الأخرى في اتجاهات مختلفة. ففي العربية هناك عدة تعبيرات عن فكرة الفكاهة مثل: المرح، والأنس والضحك..إلخ وهي عناصر متعلقة بالفكاهة وليس بالفكرة ذاتها، وفي أسبانيا فإن من يريد التعبير عن فكرة الفكاهة يستخدم عبارة البشاشة ( humeur bonne ) وهو تفسير غير دقيق للفكاهة رغم وجود علاقة بين الفكاهة (humour) والضحك أو البشاشة (buen humor)، لكنها مختلفة تمامًا. أما في اللغة الفرنسية فإن كلمة (humeur) التي تعني مزاجاً تختلف عن الكلمة الإنجليزية (humour) التي تعني الفكاهة. وتفرق اللغة الفرنسية بين المزاج والفكاهة لأنها تغفل الأصل الحي لكلمة (humour) التي تحتفظ بعلاقة ما مع كلمة مزاج (humeur). ويعتبر هذا التمييز ضروريًا لأنه فتح الطريق أمام ظهور الإدراك "لذات" الفكاهة باعتبارها "ميكانيزما ذهنية".
يعود أصل كلمة الفكاهة إلى علوم الطب في القرون الوسطى؛ وقد سنحت الفرصة لكاتب هذه السطور أن يعمل على مدى سبع سنوات على تحقق ستة كتب في المزاج مما كتب في القرون الوسطى ويترجمها إلى الإنجليزية. وفي تلك المؤلفات تتضح "نظرية الأخلاط" التي قال بها اليونانيون ونقلها العرب واستفاد منها الأطباء والكيميائيون في نهاية العصور الوسطى وتتضمن السمات الأساسية للأمزجة التي أضافها أبقراط قبل مايزيد على ألفي عام.
يميز أبقراط بين أربعة أمزجة رئيسية وكل واحد منها يعكس تغلب أحد الأخلاط الأربعة الموجودة في جسم الإنسان. تنتمي هذه الأخلاط إلى أربعة عناصر: الصفراء المتصلة بالنار (ساخنة)، والسوداء المتصلة بالأرض، (باردة)، والدم المتصل بالهواء (جاف)، والبلغم المتصل بالماء (رطب). وكانت هذه الأمزجة تدخل على هذا النحو في إطار ما يشبه نظرية لنشأة الكون تقوم على التشابه، ووفقها يصنف الناس حسب ألوان بشرتهم وأشكال شعر رؤوسهم وأطوالهم وأحجامهم، ثم الأمراض التي تصيبهم والأدوية المناسبة لكل صنف منهم.
وفي القرن الثاني بعد الميلاد تطورت نظرية الأمزجة مع جالينوس الذي أكد أن سبب كل الأمراض يرجع إلى تغلب أحد الأخلاط في الجسم، ووضع قائمة بالأمراض وعلاقتها بتلك الأخلاط. وفي بداية القرن السادس عشر قرّب باراسليس Paracelese بين طب الجسد، وبين طب النفس عن طريق نظريته في "التماثل النفسي والجسدي". وفاز جون فرنيل Fernel Jean ،و رابليه Rabelais بلقب "جالينوس المعاصر" عندما أدخلا على الجالينوسية تصويبًا حول دور الإصابة العضوية والاضطراب الوظيفي في الاختلال المزاجي النفسي.
جدير بالذكر أن بن جونسون Jonson Ben المتوفى سنة 1637استخدم هذه الأمزجة لتوضيح مفهومه للكوميديا باعتبارها ملهاة للأخلاق لكي يفرّق عمله عن مسرح شكسبير النفسي الحافل بالفردية وبالاحتمالات المتعددة للأفعال. فمسرحه معني بالتركيز على الأخلاق التي تعني المزاج (في مفهومه). أما الملهاة عند شكسبير فإنها تبرز غرابة الطابع، ولهذا فهي تحتمل تفسيرات لاتغفل الجانب المزاجي؛ لكن أوجه الغرابة في تلك الملهاة تظل خاصة ببعض الأفراد وتفسيرها يكون في إطار جوانب الشخصية. وحتى عندما تكون بعض الشخصيات الشكسبيرية فكاهية -وفق مفهوم بن جونسون- فإن الكوميديا في الحقيقة لا تقوم على "أمزجتهم" وإنما ترتكز على "المفارقة" التضادية غير المتوقعة بين سمات شخصيتهم الحرة وبين الشخصيات الأخرى المعقدة مثلهم.
ويمكن الإفادة من نظرية الأخلاط والأمزجة في تحديد سمات عدد محدود من الشخصيات النمطية مثل: المنافق والمدَّعي والبخيل والكاذب والخائن والغيور ..إلخ كما أبرزها كتاب "الشخصيات" (Characters) لثيو فراستوس Theophraste الذي صنف النماذج البشرية إلى عشرين فئة مختلفة. وتتمثل فكرته الرئيسية في استخدام نظرية الأمزجة لتحديد الشخصيات النمطية وتعريفها، وعليه يصبح لدينا شخصيات نمطية كبرى مثل: الغضوب والسوداوي والنزق وبارد الطبع، ثم كل التركيبات الوسطية.
واللافت للنظر أن الأمزجة الأربعة التي أسسها أبقراط هي التي تستند عليها نظريات الشخصية الحديثة وتبنى عليها معلومات الأبراج وطوالع الشخصيات، ومنها ما يتعلق بالشخصيات الفكاهية أو الساخرة أو المرحة أو البشوشة أو الضاحكة أو الهزلية... أو تلك الجادّة، أو العابسة، أو المتشائمة، أو الكئيبة، أو السوداوية..إلخ.
1
شكرا لك لتعداد النظريات لنا
أعجبني جدا ما تكلمت عنه
,,
بشآئر - زائر
08:56 صباحاً 2008/07/31
2
شكرا لك
هذا الكلام العملي يؤيد الكلام والتحليل
انه راي مفيد وخاصة تصنيف الشخصيات الى اقسام
Mazen - زائر
10:14 صباحاً 2008/07/31
3
بصراحة الشخصية الفكاهية دمها خفيف يعني يمكن ينطق عليها ان دمها من النوع الأصفر
أما الشخصية الكئيبية وهي عكس الفكاهية فدمها أسود بالحيل
هذا ماعندي وشكرا
حسين - زائر
11:43 صباحاً 2008/07/31
4
أشكرك على وضع الشخصيات في سياق علمي
وعندي تساؤل
ما الفرق بين الفكاهة والسخرية؟
وهل النكتة تدخلا تحت السخرية ام تحت الفكاهة؟
ولك الشكر
ahmad al-rakaf - زائر
02:36 مساءً 2008/07/31
5
هناك فروق بين النكتة وهى التي تقال وما تخص احد موقف ظريف حصل واليوك ما اكثر النكات عندنا مثل واحد جاي يتروش ما وجد ماء واحد راح البحر ولقى البحر مغطى ونايم واحد راح المطار ووجد الرحله فاتته لأنها اقلعت قبل وقتها هذه هى النكات اما المزح فهو تفريع شحنات لكلام تريد ان توصله لأحد وما تقدر ككونه سمين تقله يادبه انت تأكل كثير وبعدها تقوله انا امزح تكون حققت هدفك واحيانا يكون فعلا مزاح مقبول ببرائة وانت تقول لواحد نحيف ياسميناما السخريه فهى انك تعيب احد على شكله او تصرفاته كتاباته لتقلل منه وهو عزيز
مريم عبد الكريم بخاري..جدةعروس البحر الأحمر - زائر
03:10 مساءً 2008/07/31
6
والله مافهمت شي بس اللي ابي اعرفة الشخصية الفكاهية زينة والا لا
محمد - زائر
04:07 مساءً 2008/07/31
7
شكرا.
موضوع رائق..
ربى - زائر
07:39 مساءً 2008/07/31
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة