د. حنان حسن عطاالله
من الأمور التي تؤثر في حياتنا كثيراً هي الفقدان بالرغم من أننا نعيش وعلى المستوى اليومي عملية الفقدان وبقدر ما نحصل ونكسب بعض الأشياء نخسر أشياء أخرى تتراوح أهميتها من فرد لآخر.
وأحياناً قد نخسر أموراً وأشياء لم نحصل عليها أبداً. فعلى سبيل المثال إذا كنت تتمنى امتلاك سيارة مرسيدس أو منزلاً ولم تنل أمنيتك فإنك بذلك خسرت شيئاً لم تمتلكه.
والخسران أو الفقدان ليس فقط الأمور المادية بل انني أكاد أجزم أن خسارة الماديات أقل ضرراً ووقعاً على النفس من الخسارة المعنوية العاطفية فقد يتألم الإنسان ويشقى إذا قطعت علاقته مع صديق عزيز أو حدث طلاق أو انفصال بين زوجين ما زالا يشعران بالود لبعضهما البعض ..
ولعل أقوى وأشد أنواع الفقدان هو فقدان شخص عزيز وذلك بموته ؛ فالموت هو الفقدان الأكبر في حياتنا. ذلك لأن موت من نحب لا ينتهي بمجرد مغادرته من حياتنا. فطبيعة حزننا عليه ومرحلة الحداد التي نمر بها كلها أمور تعتمد إلى حد كبير على علاقتنا بالشخص المتوفى قبل وفاته. فقد يشعر الشخص بنوع من الصراع بعد وفاة من يحب خاصة إذا كانت هناك مشاكل بينه وبين المتوفى، ولم تحل أو قد يشعر بالذنب لأنه تخاذل في أن يؤدي واجبه نحو الشخص المتوفى وأحياناً الموت يلعب دوراً كبيراً في بناء شخصيتنا. فعلى سبيل المثال وجد أن أطفال الأرامل أكثر نضجاً من الأطفال الآخرين لأنهم يواجهون الكثير من التحديات والمصاعب في حياتهم. وقد يدفع الموت فرداً ما إلى إعادة تقييم حياته ويجد أن الحياة قصيرة ولابد من استغلال وقته في عمل مثمر نافع.
وقد تلين بعض القلوب وتتغير بعض السلوكيات نتيجة لخبرة الفقدان عن طريق الموت. فقد يتراجع الإنسان عن سلوكياته السيئة، وقد يدرك البعض أن الدنيا كما نقول "ما تسوى" وبالتالي يجعل من سلوكه حسنات وخيرات وحسن تعامل مع الآخرين فمن تقابله اليوم قد لا تقابله غداً.
ولا ننسى في النهاية ان لكل واحد منا طريقته الخاصة في التعبير عن ألم الفقدان فالبعض قد يعبّر عن حزنه بالصمت والحزن والبعض قد يقوم بعمل خيري على روح الميت. وهناك من تمتد بهم المعاناة وتظهر في أعراض جسمية ونفسية. وها هو الشاعر جرير يعبر عن حزنه على زوجته شعراً:
لولا الحياء لهاجني استعبار
ولزرت قبرك والحبيب يزار
ولعل من أجمل ما قيل في الفراق والفقدان: مقطع لأحمد عبدالمعطي حجازي:
"أليمة إلى اللقاء" و"أصبحوا على خير".
وكل ألفاظ الوداع مُرة والموت مر.. وكل شيء يسرق الإنسان من إنسان.
@ وقفة:
يقول علي بن أبي طالب الله رضي الله عنه "عش ما شئت فأنت ميت. وأحبب من شئت فأنت مفارقه".