الاربعاء 27 رجب 1429هـ -30 يوليو2008م - العدد 14646

قلعة (تاروت )

حكاية بحرية تطل على ( 5000) سنة قبل الميلاد

ثقافة اليوم - محمد المرزوقي:

    تاروت قلعة أثرية تخفي في أعماق رمالها وجنبات طميها حضارات تمتد إلى ما يقرب من (5000) سنة قبل الميلاد، فإلى اسم هذه القلعة الشهيرة تنسب اليوم جزيرة متربعة على ضفاف الخليج العربي عرفت باسم :جزيرة تاروت، وتبلغ مساحة جزيرة تاروت حوالي (40)كيلو مترا مربعا، لتكون بذلك أكبر جزر المملكة في الخليج، وتقع هذه الجزيرة شرق القطيف حيث تبعد عن القطيف ما يقارب ( 6)كم.

تقع قلعة تاروت على مرتفع في قلب الجزيرة التي نسبت إليها، حيث تطل القلعة على مختلف شواطئ الجزيرة نتيجة للتل المرتفع الذي بنيت عليه القلعة ، حيث كانت تحفها البساتين، والمباني الأخرى التي تحيط بأغلب هذا التل الذي تم اختياره ليضيف ارتفاعا آخر إلى أبراج القلعة ليسهل كشف ما أمكن كشفه من مياه الخليج من جانب، وليزيد من حصانة القلعة من جانب آخر.

إن قلعة تاروت تنبئ عن تاريخ ضارب في أغوار القرون، خصوصا وأن بعض الدراسات تعيد هذه القلعة إلى حقب تاريخية تفترض بناءها من قبل الفينيقيين، بينما تتفاوت الدراسات الأخرى في تقديرها لتاريخ إنشاء هذه القلعة الأثرية بين ( - 50002000) سنة قبل الميلاد، ومرد التباين في هذه الدراسات يعود إلى ما تكتنزه الجزيرة من أحافير وقطع فخارية مختلفة منها ما يعود إلى فترة زمنية تسمى بزمن العبيد، بينما تعود بعض الدراسات إلى الحقب التاريخية التي شهدت تحولات كبيرة فيما يخص الجوانب السياسية عبر تلك القرون في الخليج عامة، إلا أن أغلب الدراسات تتفق على الكثير من الجوانب التاريخية لهذه القلعة. تتميز قلعة تاروت إلى جانب بنائها في مركز الجزيرة وعلى أعلى تل فيها، بخصائص معمارية في بنائها المحكم الذي تتكون منه القلعة إلى جانب أربعة الأبراج الكبيرة إضافة إلى عدد من أبراج المراقبة الأخرى التي يربطها ببعضها ممرات سرية.

أما بناء القلعة فقد استخدم في تشييدها المواد الأولية في الجزيرة من خلال الطين والجص بدرجة أولى إلى جانب استخدام الحجارة أيضا، إلا أن الحجارة المستخدمة في بناء القلعة وأسوارها كان يغلب عليها ما يعرف بحجارة (الفروش) كما يحيط بالقلعة سور يتميز بعرضه الذي يقارب المتر والنصف ، هذا إلى جانب ارتفاع السور، مما يدل على أن هذه القلعة كانت ذات أهمية استراتيجية وعسكرية نظر لموقعها من جانب، ولما شهدته من أحداث سياسية عبر تاريخ الخليج طيلة تلك القرون، وما يربط بين قلعة تاروت وغيرها من القلاع في الخليج من الاشتراك في تقلبات وحملات عسكرية، باعتبارها من أهم القلاع الموجودة في الخليج العربي، حيث تدل الأبراج المشيدة في القلعة، بممراتها السرية، على الاهتمام بالعمارة الحربية حتى تكون القلعة مقاومة لأي هجوم، إلى جانب تأمين المراقبة والحركة داخلها بشكل آمن.

إلى جانب هذه القلعة العملاقة توجد العديد من المباني في أشكال منازل لا يزال أغلبها مما يحيط بالقلعة قائما ومتماسكا، حيث تتداخل العديد من البساتين الزراعية مع تلك المنازل، التي لا تزال - أيضا - تحتفظ بما يلفها من طرقات في نسيج تراثي ساحر يحيط بقلعة تاروت وينسج حولها الكثير من عبق القرون عبر ذاكرة المكان الذي تغوص في أعماقه الكثير من الحكايات ، التي تحاول تلك الآثار أن تفصح بمجاديفها عن الكثير من الحقب التاريخية، مما يجعل جزيرة تاروت محطة سياحية، تغازل بعمقها التاريخي أعماق الخليج... حكاية اجتمع فيها عمق اليابسة وعمق الخليج، في مشهد جمالي اختزلت فيه عشرات القرون، الأمر الذي جعل هذه القلعة، وما يلفها من مبان، محل اهتمام الهيئة العامة للسياحة والآثار، التي شرعت في العديد من الدراسات التي لا يزال الكثير منها في أشواطه الأولى لما ستشهده الجزيرة من اهتمام نوعي سيجعلها غرة في جبين السياحة الوطنية.