الاربعاء 27 رجب 1429هـ -30 يوليو2008م - العدد 14646

فشل اليسار الليبرالي في المنطقة

عادل بن زيد الطريفي

    ظن الكثيرون أن عقد التسعينات قد مهد لمراجعة كبيرة في أوساط المثقفين والكتاب في العالم العربي حول الأفكار والطروحات السياسية الشائعة، ولكن ككل مرة حدثت جملة من المراجعات - وفي بعض الحالات تراجعات - من كافة ألوان الطيف الفكري لم تفضي في أغلبها إلا إلى انفتاح هامشي ونسبي، مع استمرار روح السخط واتساع الهوة ما بين الهويات المتنازعة في المنطقة. والحصيلة أن المواقف المتأزمة باتجاه الحضارة الغربية، والأفكار المتطرفة، أو تلك التي تدعو للعنف أو تبرر له ما تزال هي الرائجة تحت مسميات عديدة كمقاومة الاحتلال، والوقوف ضد الاستعمار، والممانعة بوجه الإمبريالية الأمريكية، أو الجهاد ضد الحرب على الإسلام، والشعار الأخير هذا لم يعد حكرا على الخطاب الإسلامي المتشدد، بل هو اليوم رائج بين جمهور واسع للأسف.

بالرغم من الإسهامات المتواضعة في الفكر العربي المعاصر كتلك التي تجلت في كتابات خريجي الجامعات الفرنسية نهاية السبعينيات، إلا أنه لا يزال لدينا نقص كبير وواضح في الفكر السياسي المعاصر - وكذلك أدوات التحليل السياسي -، بل يمكن القول إن هنالك قلة فقط من الكتاب والمثقفين في المنطقة تمتلك تصورا سياسيا مقاربا للرؤية التي تزدهر ليس في الولايات المتحدة وأوربا، بل في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية. هناك فجوة كبيرة ما بين ما يكتب في الصحف والكتب العربية عن ما هو سياسي، أو ما يفترض أن يكون سياسة، وما بين الممارسة السياسية التي تجرى على أرض الواقع. بل يمكن القول إنك لو قلبت صحف مصر في الستينات، أو سوريا في السبعينات، أو السعودية في الثمانينات فلن تجد اختلافا كبيرا في لغة الخطاب السياسي التي يكتب بها أولئك المثقفون والكتاب. المحزن في الأمر، أن بعض كتابنا العرب يفخرون بأن ما سطروه قبل عشرين أو ثلاثين عاما ما يزال صالحا لوصف الأحداث الراهنة، وتحليل المشكلات التي استمر عدد منها إلى يومنا هذا.

وإذا ما عدنا لحرب الخليج الثانية كنقطة مراجعة، فبإمكاننا ملاحظة أن تغيرا قد طرأ بالفعل على التيارات الرئيسية للفكر السياسي في العالم العربي لاسيما التيار القومي، والبعثي، والشيوعي. فسقوط جدار برلين أنهى حالة الاحتقان الشديد ما بين الشرق والغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وتراجعت الماركسية/ اللينينية أمام جاذبية الاقتصاد المفتوح حتى داخل الأسواق العربية الناشئة، أضف إلى ذلك تدني نسب الفوارق الطبقية والفئوية عما كانت عليه قبل أربعة عقود. أما احتلال صدام حسين للكويت فقد مثل نهاية الجدل حول نكسة 1967، وعدم صلاحية النموذج القومي والبعثي للمنطقة، وكشف بشكل سافر عن هشاشة التعلق بالعرق والقومية كرابط وحيد ما بين دول المنطقة.

على خلفية الإخفاقات التي شهدتها رؤى كثير من الكتاب والمثقفين، شهدنا حملة تراجعات عريضة أبرزها كان باتجاه الليبرالية (اليسارية)، ورغم أن عددا غير قليل قد تحول نحو الإسلام السياسي، إلا أن الفوارق لم تعد مهمة أو كبيرة مع نهاية التسعينات، فقد حصل تزاوج خطير ما بين القومية (المتلبرلة)، وفلول اليسار القديم وما بين الإسلام السياسي، وخرج هذا الزواج برؤية سياسية غير جديدة، ولكن بلبوس مختلف ومخادع، فهي ما تزال ثورية في جانب منها، وبعيدة كل البعد عن تبني خطاب معتدل وغير متأزم مع السلطة أو الآخر.

ولعل المرء أن يقر بأن أفكار "المجتمع المدني"، و"حقوق الإنسان"، و"الديمقراطية" قد لقيت رواجا منذ ذلك الحين، ولكنها لم تبارح إطاراتها النظرية، بل البعض يحاول تطبيق هذه المفاهيم حسب طريقته وليس حسب نموذجها الغربي، ولهذا حولت بعض هذه المفاهيم بديلا للشعارات الثورية مع بقاء ذات الممارسة الفوضوية التي لا تحترم القانون، أو النظام العام، أو تؤمن بالتسامح الحقيقي. على الرغم من وجود جمعيات ومنظمات لها إسهام منظور ومتعاظم مهتمة بتبيئة هذه المفاهيم إلا أنها تفتقر إلى لغة خطاب سياسي متطور وواع، وأكثر قياداتها هم من اليسار العلماني الذي يقف موقفا حاداً ضد السلطات المحلية، وأكثر عدائية تجاه الولايات المتحدة. قد يقول البعض إن اتخاذ موقف حاد من الولايات المتحدة له مبررات عديدة وهذا صحيح. بيد أن القليل من تلك المبررات شرعي، أما أكثرها فمحض عداء مقنع بحجج اليسار القديمة.

إن موضوع الموقف من أمريكا نموذج كلاسيكي لخلل الثقافة السياسية في العالم العربي، ولها دلالة بارزة لدى كتابنا ومثقفينا في هذا الجزء من العالم. تقيم الأنظمة السياسية المحلية صداقات وتحالفات وثيقة مع واشنطن، وتبقى غالبية المثقفين في عداء مع أبرز بلد ديمقراطي في العالم، وتحمله كل مشكلاتنا الأزلية. وفي حين أن الذين يجرؤون على اتخاذ موقف متوازن تجاه سياسة الولايات المتحدة قليل، تجد الأكثرية تزايد بعضها بعضا في الهجوم والتعنيف بحق الولايات المتحدة، بل قد يصل الوضع إلى أن يتم الاستخفاف بنا كشعوب ودول من بعض الكتاب العرب فقط إرضاء لموقفهم المتأزم والمريض تجاه أمريكا. الكاتب جهاد الخازن المولع بتضخيم نظرية المؤامرة والتعليق على "اللوبي الإسرائيلي" بشكل مبالغ فيه لم يتوان عن وصف دول الخليج "بالنعاج" أمام أطماع ذئب أمريكي في مقالة له نشرت الأسبوع الماضي بجريدة الحياة، وهو وصف ينم عن استخفاف بسياسات واستقلالية دول المنطقة بحيث رضي الكاتب (المعادي لأمريكا) استخدام أوصاف غير مهنية فقط لتثبيت رؤيته حول المشروع الأمريكي الذي يحذر منه منذ أكثر من ثلاثين عاما كما يقول.

هذا النموذج، وأمثاله كثير في الصحافة العربية، يفضح مدى هزال وضعف أطروحات اليسار سواء كانت ثورية بالأمس، أو ليبرالية مخففة اليوم. ستظل هناك أزمة لدى كتابنا ومثقفينا مع عالم السياسة ما لم يتعاملوا معها بموضوعية ومهنية، وما لم يتخلوا عن المواقف المعادية للسلام، ويلتزموا بالدعوة السلمية للحريات والحقوق الإنسانية المشروعة. يجب أن تكون لديهم الشجاعة في الاعتراف بالمواقف المعتدلة والخطوات العقلانية التي تتخذها بعض الدول العربية، حتى وإن كانوا من المعارضين لها، بدل من أن يتحولوا إلى نفاق فاضح، يداهنون الساسة، ويسارعون لشتم "الشيطان الأكبر" إرضاء للشارع واللعب على العواطف الساذجة. نقد الأخطاء الأمريكية ضرورة، لاسيما في مجالات حقوق الإنسان، أو القرارات السياسية السلبية، ولكن تحويل أمريكا إلى "شيطان"، فيما لا يتورع هؤلاء عن حمل جنسيتها أو الرحيل لها كل يوم هو ضرب من ضروب النفاق الذي شوه الكتابة السياسية وفهم السياسة في منطقتنا.

وإذا ما استمر كتابنا في هذه المعادلة (شتم أمريكا لخداع الشارع)، فلن تقرأ أو تشاهد أي تطور في فكرنا السياسي وتجديد الوعي الديمقراطي في بلداننا. لقد مللنا أن تحصر الكتابة السياسية - وكذلك المواقف - في الهجوم على أمريكا، وهو هجاء لا يراد به النقد الواقعي والمعتدل لأجل تحقيق مصالحنــــــــا، بل هو غثاء لا يسمن ولا يغني من جوع إلا الأقلام المؤجــــــــــــرة.