بحث



الاربعاء 27 رجب 1429هـ -30 يوليو2008م - العدد 14646

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


أوباما ليس منقذاً.. حتى لو نجح

علي بوخمسين
    لن يمضي وقت طويل قبل أن نرى إذا كان هذا الخلاسي البارع باراك أوباما قد نجح في اتمام الصفقة، وحمل صكاً بالتفويض الشعبي إلى المكتب البيضاوي في البيت الأبيض، بعد أن حشد أجمل فنون التعبير السياسي واستجمع ميزاته وتألقه الشخصي في عمل تسويقي ناجح، تمكن عبره من بث الحيوية والإثارة في الانتخابات الرئاسية في أمريكا، أدت إلى تقليص الفجوة بين النخبة السياسية والشرائح الأعرض من الشعب الأمريكي، هناك في المكتب البيضاوي يتم ترتيب الأمور الكبيرة في أمريكا، وتكتب العناوين الرئيسية لفصول السياسة العالمية، وهناك أيضاً قد تبرهن أمريكا عن عبقرية استثنائية خاصة بها وحدها، إذا تمكن أوباما ابن المهاجر الافريقي من اعتلاء قمة السلطة التنفيذية في أكثر دول ما كان يسمى بعالم الرجل الأبيض، وتبدو الظروف ناضجة من أجل ذلك في وقت يسبق بكثير تصورات الدارسين، والخبراء، بيد أن لحظة أوباما لم تكن متوقفة على الذخيرة (التسويقية) التي تنطوي عليها شخصيته في بلد يضبط إيقاعاته على تموجات الأسواق، ولكنها أيضاً كانت قد نضجت بفعل الارتجاعات السلبية التي حركتها إدارة الرئيس بوش، لتعكر صفاء الحلم الأمريكي بعد أن كان قد نعم بنفحة من الانتعاش في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون.

لم يكن أوباما عضواً تقليدياً أو خاملاً في مجلس الشيوخ الأمريكي، إلا أنه فاجأ النخب الأمريكية باختراقاته الباهرة، استثمر أفضل ما في مكوناته الشخصية من المزايا التسويقية من أجل إطلاق تيار الحيوية في فضاء الحياة السياسية الأمريكية، التي كانت قد أصيبت بالملل واللامبالاة، انتزع بصورة خاصة ملايين الشبان، وطلاب الجامعات، من عالمهم المحايد وتجاهلهم للحياة العامة، وأشاع بينهم الحماس حيال قضايا كانت تبدو بعيدة عن مجالات اهتمامهم، فكانت الدهشة الصادمة من نصيب النخب السياسية بعد أن اكتشفت المساحات الشاسعة التي تفصلها عن الكتل الأساسية من مكونات الشعب الأمريكي، هل أوجد أوباما سوقاً لما اسماه بالتغيير كما يفعل المسوقون البارعون لكي يمتطي تياره إلى المكتب البيضاوي، أم أن هذا السوق كان رائجاً ولكن دون سماسرة؟

في كل الأحوال لم يفلح أكثر المسوقين حذاقة في بيع التمر إلى هجر، فلقد كان الفكر السياسي الأمريكي قد احتجز نفسه داخل المعطيات التي انتجتها الحرب العالمية الثانية، عبر وراثته للأمبراطوريتين القديمتين فرنسا وبريطانيا، وهزيمة النازية والفاشية، وحيث تعززت هذه المعطيات بانهيار الاتحاد السوفياتي، فإن ما يسمى بالمؤسسة في أمريكا في غمرة نشوتها أخفقت في تقدير الوقائع المتجددة فيما وراء ذلك، على صفحة عالم متسع ومتعدد وكبير، أخذت معظم أصقاعه تسخر بالتجدد والنشاط، أمريكا حسبته مكاناً لها وحدها وظلت دون تغيير، ولكن الأمريكيين البسطاء أحسوا ان المركبة تنحرف، الجنود الشبان يسقطون قتلى في الصحراء وفي الجبال الصخرية القاسية، وثروات البلاد العظيمة تنزف، والمديونية السيادية تتزايد، والأجانب يشترون الأصول، الاقتصاد ينكمش يدخل ركوداً يقوده على ما يبدو بسرعة إلى الكساد والدولار ينحدر، بينما تبرز دول عملاقة على المسرح العالمي، ويحيط الارتياب والرفض والكراهية بأمريكا لدى شعوب الخارج الأمريكي، التقط البارع أوباما كل ذلك وقدمه إلى (السوق) مزوقاً بجاذبيته ووسامته (ومقطوعاته) البلاغية الرائعة، التغيير التغيير، ولكن دون تفاصيل يتبين من خلالها أسس هذا التغيير، فلم يصل خطاب أوباما إلى مستوى رؤية استراتيجية، ولم يتخط كيفية المقاربات الذكية والملفتة.

تحيل فكرة (التغيير) لدى أوباما وفريقه الانتخابي إلى مبدأ بسيط هو إحلال الدبلوماسية مكان الحرب واستبدال العنف بالحوار، واستثمار القوة الناعمة بما يعني تكثيف الجهد الدبلوماسي وتوظيف النفوذ الاقتصادي الهائل بالإضافة إلى الأدوات الإعلامية والثقافية، مما يمثل العودة إلى سياسة العصا، والجزرة التي استخدمتها الرئاسة الأمريكية السابقة بنجاح نسبي في معالجة الشأن الدولي، وهي مقاربات تضع القوة العسكرية في مؤخرة خياراتها ولكن يبقى اختبارها محفوفاً باكراهات الواقع العنيد، أما رهانات المرشح الديموقراطي الداخلية فهي تلامس بالكاد المسائل الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية المطروحة بقوة أمام الشعب الأمريكي، بعد أن أخذت تبث المخاوف العميقة في نفوس الأمريكيين، عذراً ان أوباما لا يسوّق أوتوبيا جديدة، فهو خير من يدرك بأن سلع ومنتوجات العصر الرقمي قد احتجزت السوق بكامله، لصالح اتوبيتها الخاصة، انه لا يبيع فكراً متجاوزاً لقيم الزمن المرتبطة بالجوانب العملية والحقائق المنتجة للواقع المعيشي للناس والحاكمة لطبيعة العلاقات الدولية، ومواقع القوى على خارطة السياسة.

هكذا لا يسبح أوباما ضد التيار، ينحرف برشاقة مع التواءاته لكي يتجنب الارتطام بالصخور، تسعفه ذرابة لسانه وطلاوة حديثه، كلما اضطر للمناورة أو الالتفاف، فلكل حادث حديث، وجعبته البلاغية والخطابية محشوة حتى التخمة بالبدائل والخيارات، ويمتلك رصيداً وفيراً من النماذج الجاهزة يكفي لتمويل احتياجاته الانتخابية لاستمالة المنظمات والجمعيات الأثنية والدينية والسياسية ذات التأثير على العملية الانتخابية، وهذه النماذج مختلفة ومتضاربة أحياناً بحكم وجهتها العملية، إلا انها صادرة عن أصل أصيل هو البرجماتية، في هذا السياق تدفقت وعود وتعهدات أوباما بسخاء نحو منظمة ايباك اليهودية واسعة النفوذ والتأثير، فهو في النهاية ربيب الثقافة الأمريكية وسليل الطبقة الوسطى المرفهة من المجتمع الأمريكي لجهة أمه، حيث تربى في كنفها، ولكن هل سيصل أوباما إلى البيت الأبيض بصفته ابناً شرعياً لمؤسسة الانصهار العرقي والأثني، وحاملاً لنفحة الغموض لمنشئه وجذوره الموزعة بين القارات الثلاث.

تقدم أوباما إلى الفئات الشابة وأوساط المثقفين حاملاً رسالة أمريكا الحلم مستثمراً الظروف الموضوعية المتأزمة في الداخل والخارج ليبيع الأمل، وأمام منافسه الجمهوري السنتور ماكين، ظهر أوباما دائماً شخصية متوهجة وشديدة الجاذبية ومثيرة للاهتمام، إلا أن ذلك وحده لا يكفي لو لم تجد منظومة مراكز التأثير والقرار الواسعة والمتصلة بدعامات الحزب الديموقراطي الاقتصادية والعسكرية والفكرية والسياسية نفسها مضطرة للتخلي عن منافسته السيدة كلينتون، في وجه موجات التأييد الشعبي التي أطلقها، بذا يقترب أوباما من عتبة البيت الأبيض ممتطياً الحمار الديموقراطي في منافسته المحمومة مع الفيل الجمهوري الذي تقصم ظهره أثقال التركة البوشية، بقي أن يكون أوباما قائداً تاريخياً بل اسطورياً لكي يُحدث التغيير الذي نجح في تسويقه، في أكثر بلدان العالم تركيباً، وأن يشق طريقه بين تشابكات القوى والمصالح ودهاليز القرار الأكثر تعقيداً وتوزعاً، قد ينجح إذا كتب له أن يعتلي الكرسي الرئاسي بجاذبيته وإرثه العرقي المختلط في ترطيب الجفوة التي تواجه أمريكا في العالم، أن يبيض ما طمسه السواد من صفحات أمريكا واسمها، ولكن ذلك سيظل سطحياً وطافياً، والمراهنون على أوباما من العرب من أولئك الذين ما فتئوا يبحثون عن صدر ينتحبون فوقه، لا يفعلون سوى قضم أعمارهم في انتظار حمار أم عمرو.

تتعرج صناعة القرار في الدول المتقدمة عبر منظومة متشعبة من القوى والمراكز، تمثل الفاعليات الأساسية لإدارة المجتمع، ولا تقف عند حدود الدوائر السياسية المولجة بالشأن العام مباشرة وحدها، فالقادة الاقتصاديون والصناعيون ومراكز الدراسات وهيئات المجتمع المدني ورجال الصحافة والإعلام، والسياسيون والقادة العسكريون المتقاعدون، وكبار رجال الدين والكنيسة ومنظمات الضغط، تملك قدراً كبيراً من التأثير على هذه الصناعة، حيث يتم إنتاج القرار في سياقات التبادل الحر للآراء مما يجعل من هذه المنظومة وحدة عضوية، تشتغل بانتظامية تشبه خطوط الإنتاج الصناعي، وترتكز سياسات هذه الدول الخارجية والداخلية على قواعد محددة وأهداف واضحة لا تحتمل التقلبات الحادة أو التغيرات المفاجئة، والمصلحة الوطنية وحدها هي ما يشكل المحور الثابت للحركة والقرار، بينما تبقى الأمزجة والإرادة الشخصية في الهامش القصي للتيار العام في الصناعة السياسية، على ذلك فإن على من يبحث عن حلول لإعاقته التاريخية (كما يفعل العرب) أن يجدها في مكان آخر بعيداً عن السادة القادمين الجدد إلى قمة السلطة هنا وهناك من العواصم العالمية.

6 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


شكرا وجزاك الله خيرا


عبدالرزاق
ابلاغ
06:14 صباحاً 2008/07/30

 


هو منقذا وحاميا للصهاينه قتلة الاطفال والنساء والشيوخ في فلسطين.


abudallah
ابلاغ
06:44 صباحاً 2008/07/30

 


أكثر الأسباب التي تجعل أوباما يخفي تفاصيل برنامجه الرئاسي هو أن الشعب الأمريكي لم يتعود على أن يحكمهم أحد أبناء المهاجرين الأفارقة.
ولم يتعودوا أن يأتي إليهم رئيس يهتم بالطبقات المسحوقة من الشعب، بل ويهتم بإفريقيا والظلم الأمريكي الذي وقع عليها خلال قرنين كاملين.
.
ويعلم أوباما أن الجناح الصهيوني والجناح العنصري الأبيض سيستغلون أي خروج له عن الإطار العام لكي يخرجوه عن سباق الرئاسة نهائيا.
.
لهذا، فضل الرجل أن تبقى الأمور سرا حتى يمسك بلجام الفرس، حينها سيقول حقيقة ما يريد.


مريم إبراهيم
ابلاغ
09:51 صباحاً 2008/07/30

 


الأخت مريم أحقاً تعتقدين ذلك.
ليس للفرد أي حرية في اتخاذ قرار أمة في أمريكا لذلك أنا أؤيد الكاتب و اتفق معه.


عبدالعزيز
ابلاغ
12:02 مساءً 2008/07/30

 


بالفعل الرئاسه الاميركيه يقترب منها ذو الطبقه السمراء اللذين عرفوا بالمسالمه
اكثر من البيض ولكن هذي استنتاجيه وليست احصائيه والمفارقه الجميله القادمه هو هل يكون اصغر رئيس امريكي يحتل الرئاسه او اكبر رئيس امريكي من ستكون له الغلبه بأعتقادي ان كبير السن له قول اخر او كما يقال الهدوء الذى يسبق العاصفه وفي النهايه اعتقد لايوجد تغير ملحوظ سواء اخذه هذا او ذاك وا اكبر دليل عندما قال صغير السن ان اسرائيل مقدسه بالنسبه لانا وان القدس عاصمه اسرائيل فأن استنتاج ان السود اقل عدوانيه كان من الماضي


خالد الودعاني
ابلاغ
01:06 مساءً 2008/07/30

 


ألقمتنا أمريكا الحديثة ( أحجارا ) بهذا الأوباما ومن قبله كونداليسا وكولن باول.
أثبتت أمريكا أنها فعلا زعيمة الديموقراطية فى العالم.
كلهم من أصل زنجى كلهم سود !
الشعب الأمريكى يفضل الزنجى الذى أبوه كينى على ( هيلارى كلنتون ) عظيمة ولاية أركنساس ومندوبة نيويورك فى الكونجرس والمحامية والسناتورة البارعة !
أجبرها الأوباما على الإنسحاب بعد أن أعياها المطاف !
تحيا الديموقراطية. تحيا الليبرالية. تحيا الإنسانية فى كل مكان !
نعم إن الديموقراطية والحرية وإحترام الإنسان كإنسان قادمة.


محمد الصالح - الطائف
ابلاغ
03:49 مساءً 2008/07/30


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية