في حديثي السابق - عن الاهتمام بالزمن أوردت موجزاً لبحث علمي، وتحدثت عن وقائع تبين علاقة الوقت والاهتمام برقي الأمم وتقدمها.. بل الأفراد ومكانتهم، ومدى نجاحهم في الحياة.. ذلك أني تشغلني منذ زمن طويل هذه القضية المهمة في حياتي وعملي.. تلك هي قضية الإحساس بالوقت، ومدى الإدراك لأهميته في حياتنا.
وبالمناسبة هل يستطيع أحد الإجابة - وبكل الصدق والصراحة - عن هذا السؤال:
هل لدى كل من يتصدى للتوجيه، والتربية، والدعوة، إحساس دقيق كما يجب بقيمة الزمن؟!!
وهل نجحت مناهجنا الدعوية والتربوية في إرساء وتدعيم هذه القيمة وجعلها مما نحن عليه في عملنا؟
وهل نحن في تعاملنا مع الوقت نسير وفق تخطيط مسبق؟! أم أن تعاملنا مع الزمن تحكمه ردود أفعالنا تجاه الأحداث التي لا تنتهي؟
@@ @
نعم ثمة أحاديث تدور بيننا عن تطوير الحاضر.. وطرح تصورات عن كيفية الانتقال لزمن التزاحم بالمناكب، المتطور بتقنياته، وحضاراته ورؤاه، ولكن:
- هل يمكن حقـــــــاً تأمين مثــــــــل هذا التطــــــــور، وذلك العبور دون إحساس فائــــق بإلحاح الوقت لدى المثقفين، وأصحــــــــاب الفكر، ومجتمعنا عامة؟
@@ @
- هل نطمئن إلى أن مواطن المستقبل - ولنتصوره الآن طفلاً في السادسة - سيكون لديه من التربية الأخلاقية في الأسرة، والمدرسة وسواهما ما يجعله يستشعر القيمة الغالية للثانية الواحدة، بل لجزيء الثانية (الفيمتو)؟ فإذا تخرج في جامعته عام 1440هـ أو (2020م) فهل يمكنه أن يتعامل مع العالم المتجدد المتسابق بانجازات خريطة (الجينوم) وتطبيقاتها، ومنتجات الهندسة الوراثية، وتطور الأسلحة البيولوجية، ونظم الاتصال المدهشة، وما إلى ذلك؟!
@@ @
إن لدينا اليوم في المملكة عشرات الآلاف من المساجد، والمدارس، وعشرات من الجامعات والمعاهد العليا، ومئات الآلاف من الخطباء، والدعاة، والمعلمين، والنسبة الكبرى من المواطنين هم في سن التلقي، وكلنا مسؤولون عن إرساء هذه القيمة لدى أبناء مجتمعنا. وهي شرط حضاري لا يتحقق تقدم بدونه! إن هذه الملايين من البشر في حالة تلقي طيلة وقتهم، هم جميعاً في حالة تفتح، وترقب، واستعداد، فهل الراشدون على مستوى التوقعات؟
@@ @
ماذا يقول الراشدون منا بألسنتهم، وماذا تستشعر قلوبنا، ثم كيف يكون سلوكنا؟ أي: أين نحن من موقع "القدرة"؟
هذا هو سؤال المجتمع الشاب الذي تنتمي إليه بلادنا، وهو أيضاً "التساؤل الصامت" نفسه، الذي يوجهه أًصحاب الوجوه الصغيرة على مقاعدهم الدراسية المتواضعة، وإجابتهم سوف تكون حينما يتربعون على "المقاعد الكبيرة" بعد حين، فيقودون، ويديرون المؤسسات، والمصانع، والشركات، والجيوش، والجامعات، وفي أعماق ذكرياتهم ما كنا نفعله أمامهم، وليس ما كنا نقوله لهم؟ تلك - والله - مسؤولية جسيمة، سوف نسأل عنها أمام الله، وأمام الناس، وفي مواجهة أنفسنا، عند حسابات الضمير.
@@ @
ولعلنا ننظر في طرائق معالجاتنا للوقت حينما نعمد أحياناً لما نسميه "أوقات الفراغ"، كيف يقضيها الشباب؟ وماذا يفعل بها الشيوخ؟ بينما "الواجبات أكثر من الأوقات" ونحن - على مستوى الوطن العربي والإسلامي - لا نكاد ننتج ضرورات الحياة، من طعام، وشراب، ودواء، واحتياجات الدفاع عن النفس التي يساوي ثمنها المليارات، وتتضخم عاماً بعد عام، ولتراجع الإحصاءات والدراسات لنجد عندها الخبر اليقين.
إن لدينا - في تربيتنا الإسلامية - كنوزاً من القيم، والمفاهيم، والنصائح القولية، والسلوك الفعلي تؤكد أن الوقت هو من أهم ما يجب أن يُعتنى به، وأن أحد الأسئلة الأساسية التي ستوجه لكل واحد منا يوم القيامة: فيم أبلى شبابه، وكيف أفنى عمره؟ كما ورد في الحديث الشريف.
@@ @
من هنا أجزم أننا بحاجة ماسة لتربية متكاملة، تأتي عن طريق القنوات المتعددة (البيت، المسجد، المدرسة، المعهد، الجامعة، وسائل الإعلام، المجتمع) تربية تبعث قيمة الزمن من مراقدها، تحفظ المهدر وتستنفر المتبلد، وتستنبت الخامد، وهذا يجعلنا نقول بحق: لا مستقبل لفرد أو لشعب، لا يؤرقه الوعي بالوقت، ولا ينذره مرور الأمان.
@@ @
إن القيم الأخلاقية متعددة، فمنها: الصدق، والوفاء، والإخلاص، والإتقان، والشجاعة، والكرم، والنخوة والأمانة، وقول الحق، والبحث عنه، والتسليم له، وأدب الحوار، واحترام الآخرين والتواضع لهم... وما إيها وهي كلها أخلاق يجب أن نتحلى بها ولا نتركها دون إرواء عملي حتى لا تذبل، وحتى لا نسأل عن تقصيرنا فيها يوم القيامة، لكني اخترت الحديث عن أهمية الزمن لأنه واحد من أهم أركان النعم وأصولها، ولأنه أكثر القيم ظهوراً في حياتنا اليومية نحن المسلمين، أوقات للصلاة، وأزمان محددة للحج، والصيام.
إن أمر الوعي بالزمن، والتزامه جد ليس بالهزل، وحق ليس بالباطل، ومن لا يؤمن بهذا ويقدر على تطبيقه فهو مقصر أشد التقصير.
(وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم).
@@ @
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم أجعل صدورنا سليمة ومعافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.