• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 340 أيام

للعصافير فضـــــاء

وجوه ملأى بالسخط

نجوى هاشم

    هو دائماً سيد السخط، وسيد الكآبة والنكد لمن حوله، اعتاد أن يصنع زمنه مغزولا بسخطه على كل شيء، على كل من حوله، من البشر وحتى الأشياء، في الطريق يلعن الزحمة، والسيارات المتكدسة، والحفر والمطبات، وذاك الأجنبي الذي لم يسق في بلاده إلا.. وتلك الاشارة البغيضة.

يلعن الهواء الحار، وخروج الناس الى الشوارع، ولا يتوانى في أن يضرب بعنف على اطارسيارته محتجا على كل شيء، ويفتح نافذة السيارة ليشتم المرور المتوقف .. في الوقت الذي تسيل فيه شتائمه كالنهر المتحرك يرتعد الأطفال والزوجة في أماكنهم، ويتمنون لو أجادوا لغة الطيران لكانوا مارسوها وطاروا في الهواء بدلاً من هذا التعذيب المتصل الذي يمارس عليهم كلما ركبوا معه السيارة.

كره الأطفال السيارة، وكرهوا جدران المنزل التي طالما استعدت للبكاء عند دخوله وهو يصرخ على اللاشيء.

هناك هامش لكل شخص يتحرك داخله دائما، إما من الهدوء وإما من التوتر لكن لا تكون كل المساحة متوترة حتى لا تحرق الاخرين.

مثله كثيرون ساخطون، غاضبون على الحياة بكل مفرداتها متفجرون، لا يجيدون سوى خلق أزمنة مزعجة وكابوسية لمن حولهم.

في العمل يشتكي الموظفون من صراخ ذلك المدير أو الموظف ويتمنون غيابه دائما بل ويسعدون ان اختفى.

في المنزل يفرح الأطفال اذا غاب من صوته وعصبيته وتخويفه ونشره الرعب لمن حوله.

هو هكذا نموذج للسخط والقلق والترهيب منذ ان يستيقظ الى أن يغمض عينيه.

يقول: لماذا أضحك أو ابتسم، ماذا في الحياة سوى المصائب والنكد ولا تسمع سوى حوادث، فلان مات، وتلك الجريمة ارتكبت، وغلاء ينهش في جيوب البشر وكوارث تتواصل، ووفاء ينعدم، وقلة حياء، وانهيار أخلاقي؟

عندما تناقشه بأن كل تلك الأمور تختص بأغلب المجتمعات وليس مجتمعا بعينه يقول كل الأمور سيئة ولن نرتاح الا اذا متنا هذا اذا ارتحنا.

لا تستغرب منه أي شيء لعلمك بأن هذه فواصل شخصيته النارية والتي وإن حاولت ان ترمّدها، سخر منك، او صرح كعادته (ترى واصله معاي لحدي)

السؤال: منذ متى لم تصل معه لحدها؟

ومنذ متى لم يكن غاضباً؟

ما ذنب الآخرين في أن يُسقط عليهم هذا الحجر الملتهب من الغضب اليومي؟

هو غير مضطهد، ولا يوجد في تفاصيل حياته ما يستحق هذا النكد، لديه الأسرة الطيبة، الأطفال، الزوجة الرائعة، الجماعة، العمل المميز، الدخل المحترم لديه مدينة تحتويه! وطن يلمه، ويجمعه بمن يحب، لم يجرب الجوع، يمتلك منزلا، صحته على ما يرام. لم يفجع في عزيز، ناجح في حياته لكنه ناقم على كل شيء.

يعتقد دائما ان النمط الحياتي الساخط هو ما ينبغي ان نتعايش معه حتى نخلق حالة من مصداقية كينونتنا كبشر مع الآخرين، ونثبت اننا قادرون على التخويف والترهيب لمن نحب، وان السيطرة هي أساس التعامل مع الآخر وأن تسفيه الرأي هو الأفضل لخلق حياة نأخذ من خلالها ما نريد، وان السخط هو الخيوط الحريرية التي نتمسك بها بتلابيب الحاضر والمستقبل، ويتناسى ان الولاء الذي يلمحه في عيون من حوله إنما هو آت من الخوف الذي يؤمن به وليس من الحب المحروم منه ولم يعرفه طوال حياته، وان هذا التباعد بينه وبين الآخرين لن تُكسر حدته طالما ظل على ماهو عليه.



عدد التعليقات : 12
  • 1

    استاذتي نجوى ياصاحبت القلم المبدع والعبارات الناصعة احببت قلمك منذ الصغر
    جميع مقالاتك جميلة
    ولكن ؟
    اجدها من فترة يدخلها نوع الحزن و الجزع
    فابقي كما عرفتك من زمان

    ايمان الاحمر (زائر)

    06:45 صباحاً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 2

    مقال جميل ورائع
    وهو حقيقي وواقعي نراه في كثير ممن حولنا
    لكن ما الحل ؟كثير من الناس يغضب من لا شي
    لكن مالحل ؟
    كثير من الناس يغضب على أشياء تافهة
    لكن مالحل ؟
    هذا هو السؤال المحير ؟

    أبو عبد العزيز (زائر)

    07:20 صباحاً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 3

    لا...يئس, يجب ان نؤمن بأن هناك جانب شر وكذلك جانب خير لكل شيء, نتعامل ببرود.
    هكذا اتعامل مع حّرمي صاحبة الوجه الساخط (الجميل) وصاحبة القلب النابظ.

    يوسف العياضي (زائر)

    08:39 صباحاً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 4

    استاذة نجوى اسعد الله صباحك وجميع القراء الاعزاء، وصف دقيق ورائع لنموذج يعيش بيننا، وهو وان كان موجود في كل الازمنة الا انه في وقتنا الحاضر ازدادت نسخه كثيرا !
    ماذا نريد من الدنيا ؟! وكيف يجب ان نتعامل مع معطياتها ؟! بشكل اوآخر يوجد بعض اوكثير من سمات هذه الشخصية القلقة والمتوترة دائما في داخل الكثير منا، وما اجمل لحظات الهدوء، والتأمل !
    لعل الكثير من الضباب يلف رؤيتنا، واخذنا نفقد الكثير من الصفاء فيها، حتى لقد اختلطت امور عديدة ! ولكن... اليس في رسم الضحكة والبسمة على وجوه الاخرين

    سعود عبدالرحمن الشلهوب (زائر)

    11:22 صباحاً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 5

    ( تتمة)... سعادة، اليس في البذل والعطاء سعادة غامرة تفوق بكثير مايوجد في الاخذ ؟! ان اوجه السعادة كثيرة لمن يبحث عنها ! ولكن صاحبنا يأبى الاالضجر والتأفف والسخط على نفسه ومن حوله ! حقيقة ان العيش مع هذه العينات متعب للغاية، ولكنها الحياة جميلة بكل مافيها ! والمهم كما تفضلتي الاتكون كل المساحة مشغولة بالتوتر فقط !
    شكرا على كتاباتك الرائعة واسلوبك الجميل، ومن ابداع الى آخر متصل.

    سعود عبدالرحمن الشلهوب (زائر)

    11:47 صباحاً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 6

    كم جميلا ان لايكون الغضب من سماتنا كمسلمين لنهي حبيبنا عنه (لاتغضب) لكن الايوجد في خيالك ادنى مساحة للغضب المشروع لمايجري حولنا من احداث الجمادات هي الوحيدة في هذاالكون التي لايشملها قانون الانفعال الدولي المتناغم مع الاحداث كان الأجدى بقلمك الرشيق الذي ابدع فيما خطه عن صاحبنا الوهمي ان تصفي روشته ناجعه فقط تطفئ غضب طائفة من المجتمع لم تسعفها قدراتها على الولوج لجامعة اوالحصول على خدمة متعثرة يشملها قانون (لقد تعثر مرور خدمتك نرجواالاتصال في وقت لاحق)

    علي جباس القرني (زائر)

    12:26 مساءً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 7

    هكذا معضم الشعب السعودي,تجده دائما حانق وهذا من باب لفت الانتباه لاأقل ولاأكثر

    ابو اماسي (زائر)

    01:40 مساءً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 8

    أجد هذا الوجه أنا للأسف...
    *عفوا اتمنى اني ماحطمتك يااختي نجوى

    أم محمد (زائر)

    02:15 مساءً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 9

    محدن راضي عن نفسه ابد وعن حياته مايدري ان القناعة كنز لايفنى ويقنع بما اعطاه ربه خاصة الرجال وياكثرهم على شاكلة ماقالته الكاتبه المبدعه يحول حياة اطفاله واهله الى جحيم ليش وش يبي ترى الجنه بالاخرة اذاشفت الاموات عاشو والمسافررجع والغائب عاد والفقير اغتنى والمظلوم اخذ حقه وكل محب مع حبيبه وكلن حصل اللي يريده والمريض شفي والاشرار انتهووانتهت كل المشاكل بالدنيا وكلن اخذحقه الخيربالخير والشربالشرفاعلم انك ليس بالدنيا بل بالاخرة

    ياجامع الناس ليوم لاريب فيه انك قادر ان تجمعنا بمن نحب (زائر)

    02:38 مساءً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 10

    تحية طيبة د.نجوى: مقالة رائعة كالمعتاد...
    أولا: الحمدلله على كل حال فجعنا بأحدٍ أو خسرنا شئاً أو أرتفعت الأسعار أو.
    ثانيا: لم يعش الساخط يوما بروحه لكنه عاش بجسده فقط لم يتمتع ويفرح بالنجاح لم ينم نومة هادئة في كل الأحوال لم يعش...
    يجب أن نفهم الحياة بشكل صحيح... الحياة ليست سيئة. نحن من نجعلها سيئة... نقول ونقول ونقول ولكن دون تطبيق.
    تحياتي مع الشكر

    ياسر (زائر)

    04:22 مساءً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 11

    ياكثرهم بينا...

    ندى (زائر)

    11:24 مساءً 2008/07/29

    ابلغ عن هذه المشاركة

  • 12

    اين طب النفس من دراسة تلك الحالات ومعرفة المؤثرات.فاذا عرف السبب بطل العجب
    وسلام

    ناقوس (زائر)

    12:11 صباحاً 2008/07/30

    ابلغ عن هذه المشاركة




التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له

إعلانات





للعصافير فضاء

نجوى هاشم