الثلاثاء 26 رجب 1429هـ -29 يوليو2008م - العدد 14645

ايقاع الحــرف

حسابات المعاش في التأمينات الاجتماعية

ناصر الحجيلان

    صدر نظام التأمينات "الاجتماعية" قبل أكثر من ثلاثين سنة، ثم جرى عليه تعديل وتحديث قبل ثماني سنوات تقريبًا، ولكن المستفيدين من نظام التأمينات في فرع المعاشات والمتعاملين مع إجراءاته يجدون أن هذا النظام لا يخدمهم بالصورة التي يأملونها.

ومن الملاحظ أن التأمينات بدأت خطوة إيجابية في وضع استثمارات تجارية لكي تجلب لها أرباحًا يمكن أن تفيد في رفع ميزانيتها مقابل أن تقدم خدمات أفضل للمستفيدين. وهناك نظام لاحتساب معاش الموظف المتقاعد أو المتوفّى، وأهم ملاحظة أن هذا النظام لايفيد بعض الموظفين وخاصة من تقل خدماتهم عن عشرين سنة أو لاتزيد رواتبهم على خمسة آلاف ريال. وتزداد المعاناة إذا توفي الموظف وترك وراءه أسرة بحاجة لمن يصرف عليها بعد وفاة معيلها.

ولكن تسمية التأمينات بأنها اجتماعية، يعطينا انطباعًا بأن الهدف من هذا النظام هو مساعدة الموظف والأسرة اجتماعيًا على العيش في حياة كريمة من خلال إيجاد نظام يقتطع من راتب الموظف جزءًا معينًا لكي يكون بمثابة التأمين الذي يتضمن نوعًا من الضمان الشامل، وليس مجرد تخزين لمبلغ معين ثم إعادته لصاحبه مع حساب الربح والخسارة، وفي الوقت نفسه هو بمثابة العمل التعاوني لمساعدة المحتاج من الموظفين أو ممن يعيلون بعد وفاتهم لبناء أنفسهم.

ولتوضيح جانب من أضرار توزيع المعاش، سأضرب مثلا من الواقع بشخص توفي وراتبه بحدود خمسة آلاف ريال، وترك خمسة معالين، وبعد توزيع معاش التقاعد عليهم صارت حصة كل واحد منهم ثلاثمائة ريال فقط من أصل ألف وخمسمائة ريال. ولم تشملهم زيادة غلاء المعيشة ولا زيادة الـ 15% التي تكرّم بها خادم الحرمين الشريفين على الموظفين. ونحن اليوم نعلم أن هذه الثلاثمائة لن تكفي الشاب أجرة للبنزين أو لسداد فاتورة الكهرباء..إلخ. فكيف نتصوّر أن هذا النظام يمكن أن يخدم صغار الموظفين الذين يمثلون شريحة كبيرة من المواطنين؟

ولكن الرؤية التطويرية التي تشهدها بلادنا وينهض بها هذا الملك الإنسان، أبو متعب، متّعة الله بالعزة والمجد وكلله بالصحة والعافية، تتطلب أن يعاد النظر في هذا النظام لكي يخدم الموظفين وورثتهم بطريقة مناسبة وعادلة.

فعلى سبيل المثال، يمكن أن يوضع في النظام حد أدنى لراتب المتقاعد لايقل عن خمسة آلاف ريال لأي شخص بلغ السن القانونية بصرف النظر عن راتبه وخدمته، على أن ينظر في الراتب والخدمة لزيادة الراتب التقاعدي فوق الخمسة. أما بالنسبة للورثة فيكون الحد الأدنى لمن لم يتوظفوا هو ثلاثة آلاف ريال شهريًا. وبهذا يكون النظام فاعلا ومفيدًا في حماية المجتمع والمحافظة على تماسك الأسرة وبقائها في حياة مناسبة وخاصة ونحن نشهد موجة غلاء تعصف بكثير من الناس وربما دمرت حياتهم.

ليس هناك خسارة على نظام التأمينات إذا روعيت النظرة الاقتصادية الذكية التي تستثمر في الإنسان وفي المقدرات الوطنية، لأن النظام في الواقع يكون قد ضاعف ما اقتطعه من الموظف إلى مئات الأضعاف لو وجدت الإدارة والإرادة الصحيحة التي تدير تلك الأموال. وأتوقع أن هذا النظام لو أعيدت صياغته من وجهة نظر استثمارية ناجحة فسوف يتفوق على كثير من الأنظمة المعمول بها في دول أخرى مثل نظام (Social Security) المتفوق في أمريكا والذي يدفع لكل طفل وعاطل وعاجز راتبًا مجزيًا يكفي لأجرة السكن والمصروفات الأخرى مع تزويد المستفيد ببطاقات ائتمانية لشراء احتياجاته الغذائية وتقديم تأمين صحي مناسب.

ونظام التأمينات الاجتماعية عندنا يمكن أن يقدّم مثل تلك الخدمات المفيدة، ليس فقط في دفع راتب شهري للعاطلين والعجزة والمتقاعدين، بل بتقديم تأمين صحي ورعاية طبية للمستفيدين. وهذا النظام يجب ألاّ يقدّم خدماته على أنها معونات مؤقتة وخيرية، بل يقدّمها لأنها من ضمن النظام نفسه. وبناء على ذلك فإن المواطن الذي عمل لخدمة بلده لفترة طالت أو قصرت وبلغ سن التقاعد يجد أن هناك نظامًا يحميه ويؤمّن حياته وحياة من يعول. وهنا يشعر بالتميز والاختلاف لأنه يعيش في وطن يحب أهله وتحت قيادة عظيمة سخّرت الأنظمة وطورتها لاستثمار الإنسان، ولهذا يجد المتقاعد أنه ينال خيرات بلده بكل فخر وحب.