حلف يعقد هنا وصلح يبرم هناك، وهذا ينسب وذاك يخلع، وبين جمل قس بن ساعدة الإيادي وبين خيمة النابغة الذبياني، مد من الخطابة يقابله مد آخر من الشعر.. كل هذا بمزاحمة خطوات المتسوقين من قبائل الجزيرة العربية وغيرها..والمتابع لما تم إنجازه في سوق عكاظ خلال السنوات الثلاث الأخيرة تحديدا سيجد أن هذا المكان التاريخي ينمو نموا شاملا ، ينبئ عن تخطيط لدراسات مستفيضة سارعت بأن يأخذ شكل التنفيذ حالة متتابعة دون الشروع في تعديل هذا الجزء أو تأجيل تنفيذ ذاك..
لا أريد أن أتزلف إلى الاحتفاء بهذا الجهد الذي يستحق - فعلا - الاحتفاء ويفترض شكر كل من يقف وراء كل هذا المنجز، الذي يقف وراءه لجان ضمت أصحاب البحث والدراسة والاهتمام لكل من لديه رؤية علمية وثابة متطلعة، تستطيع أن تقدم لنا سوقا يتميز بالأصالة العصرية التي من شأنها تكليف هذا المكان بدور ثقافي معاصر، وإعداده وتأهيله لتقديم رسالة وطنية إلى العالم، من خلال خصوصيته التي تضيف إلى هذا الدور وتلك الرسالة ملامح خصوصية عكاظ، هذا السوق الذي يظل بوابة على مجنة وذي المجاز وغيرهما من أسواق العرب في الجاهلية وبعد الإسلام.
هذه الأفكار وغيرها، والكثير من تفاصيل تلك الخصوصية ليست بغائبة عن تلك اللجان، وخاصة أن اغلبهم - إن لم يكن جميعهم - ممن أسهموا في البحث والدراسة والكتابة عن عكاظ بعلمية جادة، وتطلعات وطنية تستسقي رؤيتها من نهضة عملاقة شاملة تقودها قيادة راشدة.
هذه الرؤية وذلك الدور وتلك الرسالة العالمية، من البديهي أنها من المسلمات في استعادة مصنع هذا المكان وفق منتج عصري، ينافس الصناعات العالمية في هذا المضمار، إلا أن هذا لا يعني - أيضا - أن تكون بعض الخصوصيات لعكاظ بمثابة التفاصيل، أو مما ينظر إليه من قبيل ثانويات الأمور، ولعل انطلاق جائزة (شاعر عكاظ) التي بدأت تأخذ شكل العربية والعالمية، أبرز الخصوصيات.. إلا أن ما يتوقع الإعلان عنه من جوائز قادمة قابلة للزيادة في كل عام، ينبغي ألا تغادر تلك الخصوصية، فجائزة الفن التشكيلي، وجائزة أفضل لوحة جماعية شعبية، أتصور أن جوائز من هذا النوع - إن أجيزت - ما هي إلا نسخ مكررة لجوائز تقدمها فروع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون، الأمر الذي يجعل الأولوية لدراسات تركز و تغوص في جذور تلك الأسواق، وتأثيرها وتأثرها، حتى لا تتشابه الأدوار، وتستنسخ الملامح.