جــامعـــة المـــلــك ســـعـود.. مــــرة أخـــرى!!
مقال الأسبوع الماضي عن بوابة جامعة الملك سعود، كشف لي نوعية أخرى من المعلقين.. إذ لمست خيطاً من التشابه في بعض تلك التعليقات إلى درجة الشعور انها خرجت من بوابة الجامعة أيضاً. أدرك أن نمط الردود التي تحيل النقد الى فكرة الاصطياد في المياه من أي نوع كانت، أو أن المقال لا يعكس حرص الكاتب على المصلحة العامة، وأن الكاتب يجب أن يسعى لمعرفة الحقيقة من الجامعة قبل أن تكون رغبته في تكسير مجاديف العاملين.. هي من نوع الردود التي تدرأ خطر النقد، لكنها للأسف تصل إلى حد اتهام الكاتب بالجهل أو الاصطياد أو عدم الحرص على المصلحة العامة!! وكأن أغلب تلك التعليقات، التي تشارك الكاتب اتهامة للبوابة بالخطأ والتعطيل هي أيضا راغبة بالاصطياد وتعكير مزاج الجامعة ومتحالفة مع الكاتب في تكسير مجاديف العاملين، الكاتب ابن الجامعة معيداً ومحاضراً لسنوات، ويكاد يعايشها يوميا عن بعد، هل تكفي هذه لتحقيق شروط الولاء والامتنان للجامعة الأم، والكاتب لا يملك جامعة خاصة وليس له لوبي مصالح حتى يكسر مجاديف العاملين. وليس من هواة توزيع الاتهامات على الآخرين، وليس مغرماً بالكتابة عن قطاع الخدمات، ولا يبحث عن قصص اخبارية عن اخفاق سير معاملة ليصنع منه مقالاً أسبوعياً فلديه ما يكفي من الأوجاع للكتابة عنها.
قضية القبول في الجامعة أصبحت فوبيا سنوية في هذا المجتمع، انها قضية اجتماعية حساسة جداً. وهي هاجس يرحل بالأسر كل عام لتسخير كل قدراتها من أجل مقعد جامعي عزيز المنال. انها ليست قصة هامشية أو جانبية أو يمكن التعامل معها بروحية التسامح مع الخطأ.
الأكثر أهمية من هذا، ان هذا المقال حمل فرصة لقاء بمدير الجامعة الدكتور عبدالله العثمان. كنت أخشى أن يتحول اللقاء الى مجاملات صغيرة، والإحالة الى عميد قبول يشرح اشكالية تتكرر سنويا. لقد تحول اللقاء الى حوار حول أولويات الجامعة بين مهمة الجامعة التعليمية وبين مهمتها البحثية لتحقيق شراكة مجتمعية، وهذه قضية بحد ذاتها تحتاج لحوار عميق وعميق جداً. بين حراك كبير على مستويات مختلفة.. من مسارات التعليم إلى مسارات التأثير في اقتصاد المعرفة لدرجة أن تحمل راية المبادرة وتصر على أن تكون عنصر انتاج للتقنية لا للعلم وحده، وبين مهمة تعليمية ربما تأثرت أولوياتها في خضم البحث عن موقع ودور وريادة جديدة، أعترف أن مدير الجامعة الدكتور عبدالله العثمان فاجأني بشخصية تحمل رؤية أكثر من كونها تبشر بمشروع، راقت لي تلك الشخصية المقتحمة والواثقة، إلا أن الأسئلة الكبرى مازالت حاضرة حول قدرة الجامعة على استيعاب مشروعات كبرى تستلهم فكرة اقتصاديات المعرفة. عينها على الريادة، ويدها ترسم مشروعات الأحلام، وبعض الأحلام قد تتحول إلى كابوس مؤرق اذا تعثر الإنجاز. خشيتي ان تؤثر مشروعات كبيرة من هذا النوع وهي تبدو أشبه بالأحلام الساحرة على مسار عملية تعليمية تحتاج الكثير من العمل والعمل الشاق لاستعادتها الى كفاءة الامتياز لا حق الشهادة وحدها. تروق لي كثيرا الأفكار المقتحمة التي تحاول أن تتجاوز شرنقة الإبقاء على الممكن لتتطلع لبناء نماذج كبيرة ومؤثرة في سياق المجتمع، من الاستثمار في اقتصاديات المعرفة، إلى وادي الرياض للتقنية.. الى رواق الرياض للمعرفة.. إلى نوبل.. إلى كراسي البحث.. لكن يروق لي أكثر البحث في سؤال أي جامعة تريد؟
تلك الرؤية التي تمزج بين توظيف البحث العلمي في مشروع جامعة لها تطلعاتها الكبرى وبين مهمة تعليمية تحتاج للكثير لاستعادتها لمسار الكم والنوع الذي يعطي المجتمع الإحساس بالثقة بجدوى مشروع كبير ومقتحم، لاشك لدي أن اقتصاديات المعرفة هي ثروة الأمم التي لا تنضب، لكن يراودني بعض القلق بأننا نفقد أحيانا القدرة على قياس المسافات بين الأحلام والامكانات. أثمن تلك القدرة المميزة لمدير الجامعة الدكتور عبدالله العثمان على تحريك الراكد وحشد الطاقات لصناعة ملامح مشروعات كبرى ورائدة.. ربما اعترف لاحقا بعدم قدرتي على مواكبة تلك الأحلام، وربما أشك بقدرتي على هضم فكرة الريادة العالمية لبناء مجتمع المعرفة. وربما أكون أسير منظور محافظ يرى أن الريادة لها شروط تتجاوز الدعم المالي وتوفير التجهيزات والمباني واستقدام خبراء نوبل وكراسي البحث العلمي لكن كل هذا لا يعني عدم الاعتراف بحراك تدعمه رؤية متقدمة تستحق الإشادة.
أبارك لجامعة الملك سعود حصولها على هذا الموقع المتقدم حسب تصنيف ويبو ماتريكس الاسباني العالمي. أن تكون الجامعة الأولى عربياً وإسلامياً وافريقياً يعيد الاعتبار للجامعة الأم ويدعو للفخر، وإذ أدرك أن تلك الجهات التي تتولى التقييم لها مؤشرات خاصة ومعروفة للتقييم، إلا أن تلك القفزة خلال أقل من عامين من الترتيب 2998الى 380ضمن أفضل 500جامعة عالميا يشير الى نتائج التقييم السابق لم تكن منصفة. ومع التقدير لهذه القفزة النوعية إلا أنه يجب ألا تغفل مؤشرات داخلية تمنح المجتمع الثقة بأن مسار العملية التعليمية بالجامعة تسير على طريق واضح المعالم، متحقق الأهداف، بالغ الجودة.
أؤمن بأن طريق التقدم ليس له مسار واحد، واللحاق بركب الجامعات الخارجية المميزة على المستوى البحثي لا يجب أن يكون هدفاً مركزياً حتى غيب باقي تفاصيل الصورة، لاختلاف الظروف والامكانيات والمسار الذي تحركت فيها تلك الجامعات منذ نشأتها والظروف التي ولدت فيها والمجتمعات التي تتحرك في دائرتها، والبنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تطبع تلك المجتمعات. المقارنات غير الموضوعية التي لا تأخذ تلك العناصر بعين الاعتبار تسقط في شبح المقارنة الذي لن يكون عادلاً ولا منصفاً. المهم أن نحاول أن نصنع مسارا آخر له علاقة بمستقبل وحاجات وطن وظروف تكوين مجتمع ومسارات تقدم متعددة تحمل ميزتها النسبية معها.. المهم أن تظل الجامعة تمد المجتمع بقدرات علمية قادرة على أن تكون فعلاً تراكمياً لخلق حالة من الفعالية، لا حالة من البطالة التي تنتظر على أبواب وظيفة قد تأتي وقد لا تأتي.. الجامعة حاضنة لعقول تبدأ للتو في مجتمعنا تتعرف على مصادر المعرفة الحقيقية أو هذا ما يجب أن يكون، وليس من شروط بقائها فاعلة أن تقدم فقط مئات البحوث كل عام أو عشرات براءات اختراع أو مساهمة في حل مشكلة تقنية عويصة أو تحصل على جائزة باسم باحث مميز، رغم أهمية كل تلك العناصر.
أستعيد هذا لأني مؤمن أن هذه قضية تستحق الكثير من النقاش حولها.. هل نريد جامعة هارفرد في الرياض.. أم نريد جامعة الملك سعود التي تمد المجتمع بقواه الحية والمؤهلة والقادرة على تجاوز شرنقة عمل تضيق كل يوم وبتعليم نوعي ومميز، وهي تبني بثقة بناء يعلو بناء وتقيس امكانات التطوير وتنظر بعين المستقبل.. هل نريد تعليماً جامعياً مميزاً يصل بالطالب إلى أعتاب مرحلة عمل وهو واثق من قدرته وكفاءته على الإنجاز.. أم نريد محضناً علمياً تقنياً بحثياً متقدماً ينافس جامعات خارجية في إصدار البحوث وحصد شهادات التميز لباحثين منفردين أو مجتمعين أو شراكة مع قطاع خاص لم يقدم بعد مؤشرات عن قدرته على إدماج المعرفة في منظومة إنتاج.
كثير من النشاط البحثي الذي عرفته واقتربت منه يطال حلقات منفصلة ومجتزأة عن مشروعات ضخمة قد لا نملك الكثير منها، بينما السلسلة بكاملها تتوفر هناك حيث يصبح البحث العلمي جزءا من خط إنتاج يتحول بمجرد نشر نتائجه إلى منتج وأسواق ومستهلك.. وإذا كنا قادرين على مواصلة المهمتين في آن، ألا يمكن ان يتأثر قطاع التعليم بمزيد من الاهتمام والتركيز على قطاع التطوير عبر مراكز اقتصاديات المعرفة. أم يمكن أن تتحرك تلك المسارات بلا خلل، وأن يدعم كل منها الآخر؟..
أعتقد شخصياً أن الجامعة - ضمن ظروف مجتمعاتنا النامية - معنية بالتعليم الجيد أولاً ثم أولاً ثم أولاً.. لتأتي فيما بعد العلمية البحثية وحلول مشكلات التقنية لتقديم نموذج على حرص الجامعة أيضاً على أن تكون بمستوى عال من الإنجاز، في مجال تقاس كفاءته بنوعية البحوث وعدد براءات الاختراع وتوظيفها في منتج محلي قابل للتسويق، أو تقديم حلول لمشكلات تنموية وطنية عبر بوابة البحث العلمي والتطوير التقني.
وقفت مقدراً ومثمناً لفكر ودأب وجهد الدكتور عبدالله العثمان في محاولة نشر التعليم الجامعي في منطقة الرياض عبر جامعات نوعية، وتلك شهادة يجب أن تقال.. أي أننا لا نستهدف تكسير مجاديف العاملين، وبقدر ما يؤذي كاتب أن تنزع شرعية المصلحة العامة عن مقال يكتبه، فهو أيضاً يؤذيه أن يتحول مقال يتحدث عن خطأ أو خطيئة إلى عامل إضعاف أو إنهاك أو نكران للحراك الإيجابي والفعال.. لن تسعدني كل برامج الجامعة التطويرية لتحقيق الريادة العالمية من خلال شراكة مجتمعية لبناء مجتمع المعرفة وهذا شعار تلك البرامج، كما يسعدني أن أعرف أن جامعة الملك سعود بالخرج بدأت تستقبل طلبة الطب والعلوم الطبية.. ولن يحرك أوتار نشوتي بالإنجاز مهما بالغ الباحثون في تصوير مشهد بحثي، مثل ما يحركه كيان جامعة في الدوادمي تضيء منطقة بكاملها بنور العلم وتحمل معها خدمات، وفرص عمل، ونشاطا اقتصاديا، وحراكا اجتماعيا، وتساهم في إ نقاذ أبناء منطقة من براثن العطالة والبطالة.. ولن تثير في نفسي أموال الوقف الكبير، وهي فكرة رائدة وعظيمة كما تثير في نفسي فكرة أن تضمن تلك الوقفية تدفقاً مريحاً للمال بدعم جامعات مميزة في المجمعة والخرج والدوادمي وحريملاء والقويعية والأفلاج.
اختلفت مع الدكتور العثمان في أشياء لها علاقة بالأولويات، لكن أُكبر هذا التوجه الذي يخلق رغبة في بناء جامعات تصل إلى أطراف المدن والمحافظات وتخلق حالة حراك لا تخص التعليم وحده ولكنها تلقي بظلالها على كافة نشاطات الحياة في تلك المدن أو المحافظات التي غاب عنها تخطيط التعليم الجامعي وقتاً طويلاً، لكنها على أبواب مرحلة ربما تشهد أن من يضع بصماته في التطوير والإنجاز هو من يقوى على اجتراح معجزة نهوض.
نختلف حول كفاءة بوابة الكترونية ومشكلات قبول، لكن نتفق أن الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع، تقديم تعليم نوعي ومميز لأبنائه وجعل تلك المراكز العلمية نبض حياة ومشهدا اقتصاديا وحراكا اجتماعيا يسوق معه منافعه لتلك المحافظات ويخفف عبء الترحل للعاصمة.. إنها الأفكار الرائدة التي لا تتوسل البقاء في مشهد ترميم حالة توقف ولكنها تقتحم بالمسؤولية والتكليف عبء الدخول في مشروعات مكلفة ولكنها الضرورة الكبرى اليوم وغداً وبعد غد.
أدرك أن العبء ثقيل، والتركة كبيرة ومرهقة وسنوات التوقف باهظة الكلفة.. إلا أنني أؤمن بدور الفرد في صناعة الأحلام، وخاصة في مجتمعات لم تتبلور بعد نظمها المؤسسية عن تخفيف حالة الشغف بهذه العناصر التي تظهر فجأة، لكنها تعدنا أننا أمام حالة خاصة تستحق الاهتمام والتقدير.. رغم الوجع الذي سببه مقالي السابق، فما زلت أحمل تقديراً لإنجاز كبير ومقتحم والوقائع الكبيرة تبدأ بأحلام كبيرة أيضاً أو جنونية - على حد تعبير الدكتور عبدالله العثمان- .. ونحن بالانتظار..