بحث



الاحد 24 رجب 1429هـ -27 يوليو2008م - العدد 14643

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


روح لبنان
لبنان هل هو متجه الى العافية أم سائر الى التطبع القسري ونسيان الذات وروح لبنان الواحد؟

منح الصلح
    سوف يقال في يوم من الايام ان اول مؤالفة وربما مصالحة بين زعامة كمال جنبلاط وابنه وليد التقدمية المتجذرة في تراب لبنان الجبل والشارع البيروتي السياسي من جهة، وزعامة حزب الله والسيد حسن نصرالله المقاومة بالسلاح للوجود الصهيوني من جهة ثانية، تمت للمرة الاولى وبوقار في استقبال المجاهد المعروفي المقاتل ضد اسرائيل سمير القنطار. وكانت مناسبة تاريخية قد لا يشبه ما بعدها ما قبلها في مد الشارع السياسي اللبناني، بل والنظام اللبناني بالروح الشعبية الاكثر تمثيلاً للارادة الوطنية المنبثقة من تشارك اهل الجبل اللبناني من مسيحيي منطقة الشحار في الغرب الشوفي ودروزه، وسنة اقليم الخروب بزعامة جنبلاط وشيعة الجنوب والبقاع الشمالي بزعامة السيد حسن نصرالله.

توهج الاستقبال بمشاركة كل هؤلاء فيه، حتى كاد يصير صورة ملموسة وحية للبنان الوطن الميثاقي الذي عاش ميثاقيته في ولادته الاستقلالية عام 1943، والذي خشي الكثير من اللبنانيين من ان تكون الايام قد غيبته تحت عباءة طائفة لبنانية واحدة لا غير من طوائف لبنان. ولكن جاءت اللبنانية التعددية في النهاية تفرض نفسها بديموقراطية جامعة لكل اللبنانيين.

لم تولد اللبنانية بمعناها الجغرافي والوطني الحالي عند جميع اللبنانيين في يوم واحد، فقد سبق لبنانيون لبنانيين آخرين في اعتماد الهوية الوطنية والولاء لها. فيوم اعلن الجنرال الفرنسي غورو دولة لبنان الكبير بحدودها الحالية، وكان ذلك بعيد الحرب العالمية الاولى التي خرجت منها فرنسا ظافرة على المانيا وتركيا، قيل انها هدية من فرنسا لطائفة محبة لها وذات دالة، هي الطائفة المارونية.

جنباً الى جنب كان موارنة الجبل ودروزه اول من سموا لبنانيين. وعندما قام البطريرك صفير منذ سنوات عديدة برحلته الشهيرة الى المختارة مروراً بقرى عديدة مشتركة بين الطائفتين، فهم القريب والبعيد كل معاني الرمزية التي انطوت عليها الرحلة التاريخية.

وبالامس القريب جذبت عودة سمير القنطار الى بلدته المسيحية الدرزية المشتركة عبيه، قلوب كل اللبنانيين، وصولاً الى رموز وجماهير المقاومة الاسلامية بقيادة السيد حسن نصرالله، وجماهير الجبل وبني معروف والحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط.

فظهر قلب لبنان متسعاً لكل النشاطات والحيويات اللبنانية حاضنة التيارات الوطنية والقومية والانسانية، شاملاً كل من كان يظن انه مقصي أو بعيد.

والواقع انه في ذلك الاستقبال للاسرى العائدين من سجون اسرائيل الذي ما كان يمكن ان يكون في مثل هذا البهاء الا في لبنان والجبل اللبناني بخاصة، ظهر فعل الديموقراطية اللبنانية القادرة وحدها على تمثل ألق السماح الديموقراطي الجامع الحقيقي بين العقول والقلوب للبنانيين جميعاً على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم الفكرية. فالديموقراطية اللبنانية هي ربة البيت القادرة في النهاية على كسب كل العقول والقلوب، لأنها منذ البدء اعتبرت ولا تزال تعتبر نفسها للجميع.

ان الديموقراطية هي حامية لبنان من نفسه أيضاً وليس من غيره فقط. ففي قرارة نفس كل لبناني، سواء لبس القبعة او الطربوش او العمة، اقتناع بأنه قادر في النهاية على اقناع كل من فيه، والى اي محيط او مذهب انتمى، انه بديموقراطيته الوحيد القادر على ان يحمي عمامة كل صاحب عمامة، وكذلك قلنسوة كل صاحب قلنسوة وحرمة كل من يحمل اجتهاداً صادقاً او اسلوباً يخدم به وطنه.

ان الديموقراطية لا تخاف لأنها ما كانت بالاصل لتخيف. ولقد قدم لبنان سمير القنطار لحسن نصير الله ولمدرسة كمال جنبالاط ووليد جنبلاط السياسية كما لكل لبناني وعربي صادق ما يشرفه كوطن. فلا انسانية ولا نصر ولا رهان ناجحاً في النهاية في عرف اللبنانيين، الا للنظام الذي ارتضوه، وكل من هجره عائد اليه بالنهاية، وقادر على العودة والتظلل بفيئ حرياته بمحض انه لبناني او صاحب قصية حق. فاذا كانت مقاومة اسرائيل حقاً للمقاومين من الفلسطينيين والعرب بالمطلق، بل واجباً عليهم، فان ديموقراطية لبنان هي حجة المنطقة على اسرائيل وكل اعداء العرب.

لقد اثبتت الايام ان المشروع الحضاري الديموقراطي اللبناني ظاهرة متقدمة في المنطقة ينبغي الا يقتصر الاعتزاز بها على اللبنانيين، بل يجب ان يشمل العرب ضحايا الظلم الصهيوني على التحديد. وقد كان ياسر عرفات -رحمه الله- يردد هو والصفوة من اخوانه انه كما ان على العرب ان يبروا بالمقاومة الفلسطينية، كذلك عليهم ان يبروا بالديموقراطية اللبنانية، لأن المشروع الديموقراطي اللبناني مفخرة لهم تماماً كالمقاومة الفلسطينية.

ان مثل هذا المنطق الجمعي التسبيقي بين الديموقراطية اللبنانية وحركة التحرر الفلسطيني اوصل ابا عمار الى الامم المتحدة وكاد يوصله الى ما هو اكثر من الانتصارات. وفي الاستقبال الذي استقبل به اللبنانيون ومعهم الفلسطينيون اللبناني المعروفي العائد من الاسر سمير القنطار، ظهرت الاهمية الخاصة لهذا الوطن لبنان كحاضن امين للنزوع القومي العربي الذي كان دائماً رمزاً له، وللقضية الفلسطينية معاً. هذا مع العلم ان لبنان، وخصوصاً لبنان الرئيس الحالي ميشال سليمان، كان دائماً واضحاً وخير معين للقضية الفلسطينية، وهو لا يسمح ولن يسمح ابداً بأن تمتد اليها يد التشويه من بعض اهلها الذين لم يرتفعوا الى مستوى الحق الذي تمثله.

من كثرة ما عانى اللبنانيون لمدة طويلة من الزمن من مشهد اللون الواحد في السياسة والمجتمع والسكن والعمل وعلى شاشات التلفزيون وفي كل مكان تقريباً، صار مجرد وقوع العين على اخر بالمعنى السياسي او الاجتماعي او الثقافي او الطائفي حدثاً من الاحداث، بل فحتى المتقاربين والمتشابهين في الاهتمامات والميول، اذا لم يكونوا من طائفة واحدة او من بلدة واحدة او من سرب سياسي واحد وظهروا معاً بمناسبة، شكل ذبك مفارقة او حالة تستدعي التفسير او التعليق.

السيد حسن نصرالله والاسير المطلق من السجن في اسرائيل، سمير القنطار، كان يكفي ان يظهرا معاً في حشود مستقبلي العائدين من السجون الاسرائيلية، حتى يستدعي ذلك التعليقات وتتحدث به التلفزيونات والصحف، بينما هما في الحقيقة وجهان معروفان وبارزان ينتميان معاً الى عالم الكفاح الوطني ضد اسرائيل.

ليس في الامر بالتأكيد اي شيء استثنائي، انما الاستثنائية في شعبيتين كانت تريدهما الجماهير في لا وعيها واحدة، الاولى شعبية جنبلاط الموروثة في الجبل والشارع الوطني اللبناني منذ ايام كمال جنبلاط والتي تسلمها من بعده وليد، واليها ينتمي دروز بلدة عبيه ومسيحيوها الى حد بعيد، ومن هؤلاء بطريرك الارثوذكس الشهير منذ ايام فيصل الاول الهاشمي، البطريرك غريغوريوس حداد الذي يعتبر في بلاد الشام عموماً اهم البطاركة الذين مروا عليها. وقد استقبل غبطته في الحرب العالمية الاولى فيصل الاول الهاشمي داخلاً دمشق بعد الحكم التركي بالبيت الشعري العربي الشهير:

ولبس عباءة وتقر عيني

أحب إلي من لبس الشفوف

فخلع فيصل عباءته والبسه اياه. كما ان عبيه هي ايضاً مسقط رأس كبير آخر في المسيحية هو المطران غريغوار حداد. واهلها من الدروز والمسيحيين التابعين تقليدياً للزعامتين الكبيرتين جنبلاط وارسلان.

كل هذا كان ايضاً بانتظار مجيئ المجاهد اللبناني من بني معروف، سجين اسرائيل سمير القنطار الذي كانت الجماهير بانتظاره كابن البلد.

اما اهم ما ادى كل ذلك اليه، فهو لبننة الاستقبال الذي لعب حزب الله الدور الكبير في تحضيره، ولكن ليس الدور الاول والاخير كما في سابق ظهوراته.

لم تكن مسابقة بين طرفين تشاركا في الاحتفال كل على طريقته وكان بذلك خير لهما فقط، بل كانت نقطة بيضاء للطرفين، وبالنتيجة لشعب لبنان وللبنان كوطن عربي مميز اصر ويصر على ان يضف دائماً دعماً لمناعة الامة العربية وقدرتها، فلا يكون تناقض او تناقص في المردود العربي العام، سواء على المقاومة او على المشروع الحضاري العربي. وكل واحد منهما بحاجة الى الآخر.

لا احد يملك حق التباهي باللبنانية على اللبناني الآخر، ولاسيما في العهد الجديد الذي نعيشه. فالرؤساء الثلاثة، بدءاً برئيس الجمهورية، هم لبنانيون انضجتهم التجارب وصقلت عزائمهم مواجهة الصعاب وعصمتهم عن الكبوة هزات الزلازل الداخلية والخارجية. ولقد برأت الايام هذا الوطن الحيوي النابه من كل ما رماه به او شكك البعيد والقريب. فلا قسوة العدو الطامع كسرت عزيمته، ولا عزة الجهاد اسكرته لتصرفاه عن تدبر احواله واوضاعه الداخلية، ولا العصبيات المشرقة فيه والمغربة قدرت على ان تنسيه نفسه وطريقه.

ولعل لبنان هو من اوطان قليلة في العالم جديرة ان تقاس وطنية الواحد من ابنائه بحبه للباني الآخر قبل كرهه للعدو. فاذا كان معيار الوطنية في فرنسا مثلاً في يوم من الايام كره الالمان، واذا كان مقياس وطنية التركي هي كرهه لليوناني او البرغالي او الارمني، فان معيار وطنية اللبناني يجب ان تكون وتظل حبه للبناني الآخر وللعربي الآخر، وقد الهم الشاعر سعيد عقل بأن يقول حقيقة بنيوية في كيان لبنان كوطن، حين قال: وطني الحب وما في الحب حقد.

ان من عاشوا حركة الاستقلال اللبناني في تشرين عام 1943أو قرأوا عنها، يذكرون جيداً تلك الايام التي كان يتلخص فيها الشعور بالهوية الوطنية اللبنانية برمزية العلاقة بين احياء بيروت الغربية واحيائها الشرقية، بين البسطة والجميزة بحسب لغة تلك الايام.

وقد جاءت مؤخراً حكمة لا يصح الا الصحيح تؤكد نفسها باختيار المقاومة الاسلامية الجنوبية المجاهدة التظلل بسقف البيت اللبناني الوطني الجامع الواحد، ولا سيما مع رجوع القنطار الى بلده، فاذا شيخ الاستقبال حسن نصرالله العارف اكثر فأكثر معرفة غيره من اجيال الجهاد الوطني اللبناني بأن اثنين اذا اجتمعا، لبنان الديموقراطي والكرامة الوطنية والنضال الوطني اسلامياً كان او مسيحياً، او اسلامياً مسيحياً على الاصح، فان تلك تكون له كلها، كما كانت لغيره من قبل، كبشارة الخوري ورياض الصلح وعبد الحميد كرامي وعادل عسيران، محرري الارض التي يقف عليها هو اليوم طريقاً للمجد الذي ما بعده في هذا الوطن مجد، مجد الوطنية الجامعة والكرامة الموحدة و

3 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


الديمقراطية...الوطنية...لبنان ,كلمات أدمت القلب وأنا أحمل حقيبتي مغادرا بلدي بحثا عن حياة كريمة,المقاومة لم تختر العيش تحت سقف الوطن بل أرغمت كل الوطن على العيش وفق هواها وتحت سقفها...الديمقراطية في العالم كله أكذوبة والوطن اللبناني الذي يتساوى فيه جميع أبنائه غير موجود...لبنان ليس وطنا ونحن ما زلنا ننادي فيه بالوطنية بغباء لافت إنه كيان يفرض فيه القوي منطقه وفلسفته على كل الضعفاء...وبقوة السلاح علنا لا في الخفاء.وإن من عاشوا عام 43 لم يبق منهم أحد مع الأسف الشديد.


محمد الأيوبي
ابلاغ
10:37 صباحاً 2008/07/27

 


أنصح أي كاتب قدير بأخذ معلومات جيدة عن سعيد عقل وعن حياته قبل الاستشهاد بشعره. ثانيا إن عبارة "ظهرت الاهمية الخاصة لهذا الوطن لبنان كحاضن امين للنزوع القومي العربي الذي كان دائماً رمزاً له، وللقضية الفلسطينية معاً" عبارة قد أضحكتني فعلا.


أمين
ابلاغ
01:40 مساءً 2008/07/27

 


مقال جميل
والتعليق الاول غريب


سرايا الامل
ابلاغ
02:03 مساءً 2008/07/27


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية