الاحد 24 رجب 1429هـ -27 يوليو2008م - العدد 14643

ايقاع الحرف

الصيف والزواج

ناصر الحجيلان

    ما أن يقترب فصل الصيف أو يحلّ حتى يبدأ موسم الزواج في كثير من مناطق المملكة، فتزدحم الفنادق وصالات الأفراح. وتعوّدنا على تلقّي كمية مناسبة من دعوات الزواج في هذه الفترة لأن الناس تريد استثمار الإجازة في مثل هذه الاحتفالات.

وبسبب الترابط التقليدي بين الصيف والزواج في مجتمعنا منذ سنوات طويلة ربما ترجع إلى بدايات التعليم، فقد تحوّل هذا الفصل إلى مثير خارجي أو محرّض يعمل في نفوس الشباب من الجنسين يدفعهم لاستحضار فكرة الزواج. فتجد بعض الشباب يغرقون في التفكير في الزواج كلما اقترب هذا الفصل فتبدأ فكرة الزواج تدغدغ خيالاتهم، ومن خلال هذه الأفكار يسيحون في دوّامة من المشاريع التي يتمنّون إنجازها في حياتهم.

ومن خلال علاقتي بعدد من الطلاب الخريجين الذين يدرسون عندي بعض المواد في الجامعة، فقد وجدتهم يضعون الزواج ضمن أولوياتهم التي يسعون إلى إنجازها خلال الصيف. ويعدّ كثيرٌ منهم نفسَه مؤهلا للزواج بعد التخرج في الجامعة مباشرة حتى لو لم يحصل على وظيفة، ولهذا فإنه يظل يترقّب الصيف بمنظار يختلف عن بقية الشباب. ولمّا كان الزواج موضوعًا مهمًا بالنسبة لهؤلاء الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 22و 26سنة، فقد حرصت على استقراء رؤيتهم للزواج لأنها تمثل رؤية يشترك فيها غيرهم من الشباب السعودي.

فحينما يحضر طالب من هؤلاء ويوضّح أنه خريج وسيتزوج هذا الصيف، أسأله إن كان يستطيع قضاء دقيقتين في تعبئة استمارة لاستطلاع الرأي بدون ذكر اسمه، فإن وافق أعطيته الاستمارة لكي يعبئها ثم يضعها لاحقًا في بريدي.

وبعد جمع ثلاث وعشرين استمارة، جاءت إجابات الشباب عن الزواج على النحو التالي: هدف الزواج حسب الأولوية من بين عشرة أهداف: إنجاب أطفال (94%)؛ المعاشرة الزوجية (86%)؛ تجهيز الطعام وتنظيف الملابس (72%)؛ استقبال الزوج في المنزل (34%)؛ التفاخر أمام الآخرين (24%)؛ الاستفادة من راتب الزوجة إن كانت موظفة (21%)؛ رعاية الزوج صحيًا (20%)؛ الشعور بالأمان النفسي (18%)؛ اكتساب معرفة جديدة (18%)؛ جلب المرح والضحك (12%). وقد تجنبت الاستمارة ذكر أهداف عامة أو غير واضحة مثل: الاستقرار، أو إكمال نصف الدين، أو المشاركة في الحياة، أو بناء أسرة، أو الستر، أو الرومانسية والوناسة..وغيرها، لتجنّب المفاهيم التي يختلف في تفسيرها كل مستجيب.

أما ما يتعلق بما حوته الاستمارة من معلومات أخرى مثل مواصفات الزوجة المثالية، وكيفية التصرّف معها في حال الخطأ، وردود فعل الزوج تجاه نمط معين من التصرفات، فهذه يمكن مناقشتها في زاوية أخرى. وسنركز اليوم على ما يتصل بهدف الزواج عند الشباب.

من الواضح من خلال ترتيب الأهداف، ونسبة التأييد لكل هدف، أن الجانب الحسي في العلاقة الزوجية هو الأساس الذي يبني عليه هؤلاء الشباب حياتهم الزوجية قبل أن يدخلوا فيها. ولابد من التحذير بأنه لايمكن الجزم بدقة تلك الاستجابات لسببين منهجيين، الأول أن عينة البحث أو شريحة المستفتين ليست ممثلة تمثيلا مناسبًا للشباب السعودي؛ والسبب الآخر أن تلك الاستجابات افتراضية قد تتغير بعد الزواج. ولهذا فإن تلك الاستجابات يمكن التعامل معها على أنها مجرد مؤشرات دالّة على سلوك ثقافي معين وليست براهين أو أدلة صارمة تثبت اتجاه الشباب أو رؤيتهم نحو الزواج.

وحينما نتأمل الاستجابات السابقة، فسنلاحظ أن الاهتمام بالجوانب المعنوية من العلاقة التي تتصل بالجانب النفسي أو العقلي (كالأمان النفسي واكتساب المعرفة وجلب المرح) يأتي متأخراً في سلم الأولويات. وهذا يشير إلى أن الزوج السعودي، في الحقيقة، لايريد من زوجته تلك الحاجات بالدرجة الأولى إما لأن تلك الاحتياجات غير مهمة في نظره أو لأنه يعتقد أنه مكتفٍ بذاته وليس بحاجة إليها أو لايتوقع أن الزوجة -بوصفها امرأة- مؤهلةً لكي تهبه تلك الحاجات العقلية والنفسية.

وإذا توقّعنا أن تلك الاستجابات واقعية وسوف يمارسها الشباب مع زوجاتهم، فلن نستغرب ما سيحل بهذه الأسرة -التي لتوّها تتشكل- من صعوبات وسوء تفاهم وخاصة إذا كانت الزوجة تحمل ثقافة غير حسيّة وعندها رؤية مختلفة للعلاقة الزوجية. سنتفهّم موقف هذه الزوجة الشابة المحبطة التي وضعت في مكان خاطئ، ومن المحتمل أن حياتها لن تتحرك قيد أنملة مع هذا الصنف من الأزواج ليس لمشكلة يفهمها الزوج ولكن لمعضلة تخفى عليه. فليس عندها مشكلة في القيام بالدور التقليدي للزوجة ولكن ذلك ليس هو الأساس، بل هو دور ثانوي مكمل لدورها في العيش مع زوج يؤمن بكيانها ويتعامل مع عقلها بذكاء وشخصيتها بحكمه. والأمر ذاته ينطبق على المرأة التي لاتهتم كثيرًا بالجوانب العقلية والنفسية والثقافية لزوجها الذي يضع تلك الأمور من أساسيات نجاح الحياة وسعادتها، فهذا الرجل كذلك وضع حياته في موضع لايمتلك المقومات المناسبة لتهيئة مستوى من النجاح العاطفي.

جدير بالتوضيح أن الحديث عن تصوّرات هؤلاء الشباب عن الزواج هو حديث عن تصوّرات الثقافة التي اكتسبوها ووجّهت نظرتهم نحو هذه الوجهة أو تلك، نظرًا لأن تلك الاستجابات افتراضية من أشخاص لم يتزوجوا من قبل. وحينما نسأل عن السبب وراء هذه النظرة الحسيّة للعلاقة فسنجد الجواب في معطيات ثقافتنا الشعبية التي أسست لمثل هذه الصورة النمطية للزواج من خلال الأمثال والحكم والحكايات وكذلك الخرافات والإشاعات والنكت.