جريدة الرياض

جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

الاحد 24 رجب 1429هـ -27 يوليو2008م - العدد 14643

الرغبة مفتاح التعلُّم ومهارة الأداء

إبراهيم البليهي

يترتب على نظرية أن الإنسان كائن تلقائي الإعتراف بأنه مقود برغباته التلقائية وأن أية محاولة لاستنفار طاقته أو استثمار قابلياته دون مراعاة لاهتماماته العفوية ورغباته الذاتية العميقة في الحب والكره والإنجذاب والنفور سوف يكون مصيرها الفشل والإخفاق وقد أسعدني أنني حيثما رجعت إلى أهل التجارب السخية من العلماء والمبدعين وجدت أن تجاربهم تشهد لنظرية (عبقرية الاهتمام التلقائى) وهنا أجد في تجربة الطبيب الأمريكي الشهير فردريك لويس ما يؤيد هذه النظرية، فهو يؤكد بأن الرغبة النابعة من أعماق الذات هي مفتاح قابليات الإنسان للتعلم وإجادة المهنة وإتقان الأداء فليس العقل سوى أداة بيد الرغبة فإذا حاول الإنسان إرغام عقله على استساغة ما لا رغبة له فيه فإنه يمتنع عليه ويرفض الاستجابة له فيبقى نهباً للصراع بين الإرادة القسرية والرغبة التلقائية وفي النهاية وبعد ضياع الجهد وتبديد الوقت تنتصر الرغبة لأنها هي التعبير الحقيقي عن الذات ولكن قد لا نفطن لهذه الحقيقة بمرارتها الشديدة إلا بعد أن يتحدد المسار ويكون قد فات أوان العدول عنه أو تصحيح الخطأ الذي وقعنا فيه أو أوقعنا فيه الآخرون.

ومن خلال التجربة الشخصية لهذا الطبب الشهير في دراسة الطب أولاً ثم في ممارسة هذه المهنة بنجاح مشهود عمراً مديداً ثانياً ثم في مزاولة التعليم الجامعي ثالثاً فإنه ينصح الدارسين بأن لا يتجهوا إلا للمجالات التي تستهويهم بقوة وبشكل تلقائي شديد الأندفاع فإذا لم يكن الشغف متقداً أو كان الدارس متردداً في التأكد من ميوله فسوف يخفق في أي مجال يقتحمه وهو لا يحبه حباً عميقاً جياشاً يثير طاقته ويوجه نشاطه ويفتح أبواب عقله وتحتشد به قدراته فإذا كان هذا مآل ضعيف الرغبة فكيف بمن يتجه للتعليم قسراً وهو يكرهه ولا يجد في نفسه أية ميول معرفية؟!! إن هذا الطبيب الناجح يعزو نجاحه في مهنته إلى أنه كان شغوفاً بالطب منذ طفولته المبكرة واستمر معه هذا الشغف أثناء الدراسة ثم أثناء الممارسة: تطبيباً وتعليماً فهو عاشق للمجال الذي اختاره عشقاً مستعراً لا يفتر لذلك أبدع في ممارسة مهنته فيقول في كتابه: ( 20سنة في حجرة الاعترافات): "كنت منذ نعومة أظفاري أترقب اليوم الذي تشرق شمسه فأجد نفسي طبيباً كانت هذه الرغبة تشتد ويزداد سعيرها في أحشائي كلما قطعت سنة من سنوات الطفولة ولست أعرف الظروف التي هيأت لي هذه الرغبة" فالمهم أن يكون الإنسان مدفوعاً للمجال برغبة تلقائية جياشة بل مستعرة كما عبر عنها هذا المبدع بوضوح ودون تلكؤ أما سبب وجود هذه الرغبة المستعرة فليس مهماً بل المهم هو وجودها فعلى الإنسان أن يتأكد مبكراً من ميوله ورغباته وأن يستجيب لهذه الميول لأن هذه الاستجابة هي الضمان الحقيقي لتفجير قدراته واحتشاد مواهبه واستثمار قابلياته.

أما الذين لا يملكون مثل هذا الشغف الملتهب في أعماق نفوسهم فإن هذا الطبيب الخبير ينصحهم بالابتعاد عن الطب أو عن أية مهنة لا يجدون في نفوسهم إندفاعاً شديداً إليها فيقول: "والآن وقد قضيت العمر في ممارسة هذه المهنة لا أتردد في الإجابة عن أسئلة الأمهات بقولي (لا) كلما أتين لاستشارتي في أمر أبنائهن الذين تراودهم أنفسهم في الالتحاق بإحدى كليات الطب فيتأرجحون بين الإقدام والإحجام" إن مجرد وجود شيء من التردد والتأرجح يدل على عدم وضوح الميول وعدم توقد الرغبة الذاتية التلقائية وهو يرى أن هذا وحده يكفي للامتناع عن الإقدام على الاخيار فهو يرى أن تحصيل المعرفة والنجاح في المهنة يتطلب شغفاً شديداً خالصاً مستعراً ليس فيه أي قدر من التردد أو التأرجح.

إنه ضد اختيار المهنة بناء على مغرياتها المادية أو أهميتها الاجتماعية أو تقليداً للآخرين أو رغبة في الوجاهة أو وجود الاحتياج لها في المجتمع بل المهم هو وجود شغف حقيقي من الشخص نفسه يتأجج في أعماقه أما بدون ذلك فلن تشرق مواهبه ولن يجد في نفسه الكفاية ولا الفاعلية لا في استقبال المعرفة ولا في اكتساب المهارة ولا في الأداء فيقول: "ويعزى هذا إلى عقيدتي الثابتة في أمر هؤلاء وأماثلهم الذين لا يتخذون مهنة الطب إلا لأسباب خيالية ودوافع لا تستند إلى عوامل واقعية أو ميول واستعدادات فطرية من رأيي أن الشاب الذي يخامره الشك في ميله لهذه المهنة يجب أن يمتنع بتاتاً عن إقحام نفسه فيها وأن لا يلتحق بكلية من كليات الطب إلا تلبية لرغبة ملحة فيه واستجابة لاستعداد خاص يدفعه إليها دون سواها"، إن الطالب الذي يتجه لدراسة أي مجال دون أن يكون مدفوعاً برغية ذاتية ملحة سوف يضيع عمره دون جدوى وسوف تتضاعف في طريقه الصعوبات فالدراسة الاضطرارية ستكون ثقيلة والمهنة غير المرغوبة ستكون شاقة فالذي يكون كارهاً للمجال لن يحصل على معرفة حقيقية تظل عتاداً ذاتياً جاهزاً تلقائياً للاستخدام ولن يكتسب مهارات تنساب تلقائياً وسيبقى عبئاً على نفسه وعلى مهنته وعلى مجتمعه وسيكون تعيساً في حياته.

إن الاستمتاع بالعمل شرط لتجويده بل إن غياب الرغبة فيه والنفور منه ليس فقط سبباً في عدم إتقانه وإنما يصير الإنسان تعيساً إذا اضطر إلى مواصلة عمل لا يحبه ولا يستمتع به، وعن هذا يقول فردريك لويس: "ولست أعرف حياة أشقى من حياة الطبيب وأدعى إلى تعاسته إذا لم يكن يؤثر هذه المهنة على كل مهنة سواها في الوجود ولست أعرف حياة أدعى لسعادة صاحبها وارتياحه لها من حياة طبيب يعشق مهنته ويتقبل عن طيب خاطر مرها كما يستمتع بحلوها طالما هو يتمتع بموهبة الذكاء من جهة ونعمة البصيرة أو قدرة التميز من جهة أخرى"، إن المهنة إما أن تكون مصدراً لمتعة الإنسان وبهجته ومجالاً لإثبات كفايته وتحقيق ذاته والإسهام في خدمة وطنه وأمته ومجتمعه أو تكون المهنة مصدراً للتعاسة وسبباً للإحباط وهي في هذه الحالة تُشقي صاحبها وربما تتسبب في أضرار كبيرة للآخرين فالذي يكره مهنته لن يجيدها وربما صارت ممارساته سلسلة من الأخطاء والإهمال وركاكة الأداء..

وينبه هذا الخبير الكبير إلى أن التفوق الدراسي ليس ذات دلالة في الأداء المهني لأن المعرفة النظرية والأداء العملي حقلان مختلفان نوعياً يضاف إلى ذلك أن تحصيل المعلومات لا يدل على نفاذ الرؤية ولا على تحول المعرفة إلى تجربة ذاتية وأكثر من ذلك فإن تحصيل المعلومات لا يدل على التأهيل العملي وحتى الذكاء المتوقد لا يدل على قدرة الأداء لا في العلم ولا في العمل وإنما نفاذ الرؤية وعمق الإدراك يتوقف على حدة البصيرة وهذه لا يمكن تكوينها بالتعلم الرتيب ولا بالممارسة الروتينية وإنما تتكون بالرغبة المستعرة والابتهاج الصادق فيقول: "ونخص بالذكر هنا نعمة البصيرة أو قدرة التميز لأنها لا تزال العامل الأكبر في التفريق بين الطبيب النابغة (أكاديمياً) والطبيب النافع الناجح في حياته العملية وهي الخط الفاصل بين الطبيب الذي يتوقد ذكاء فقط وذلك الذي يتم على يديه شفاء المريض وقد بقيت هذه الحقيقة ثابتة راسخة بالرغم من تقدم العلوم واتساع خطاها في سبيل الكشف عن الكثير من خفايا الأمراض والعلل البدنية"، إن مظاهر الناس قد تخدع من لا يدقق فقد نجد طبيباً يتوقد ذكاء ويجيد الحديث ويوهم مظهره أنه الأقدر والأكفأ غير أن فردريك لويس بخبرته الواسعة العميقة يحذرنا من هذا الوهم فالطب تعاطف حميم ورغبة صادقة واهتمام قوي مستغرق لأن هذه المزايا تؤدي إلى احتشاد القدرات وإلى تكوين بصيرة خارقة تختزل مشواراً طويلاً في فرز الاحتمالات واختراق الحجب وهذه الصفات مطلوبة لكل المهن فهي ليست خاصة بالطب وإنما هي مطلوبة لأي أداء لكي تتحقق فيه الكفاية والمهارة والإتقان.

إن الحاجة إلى الحدس الصائب أعني البصيرة النافذة هي حاجة عامة ضرورية ملحة في العلم والعمل والحياة، ويحدثنا فردريك لويس بأن أي طبيب سيواجه مآزق لا يعرف كيف يتجاوزها وحالات مرضية ليس لديه سابق علم بها لذلك فإن موهبة الحدس موهبة حاسمة في مثل هذه المواقف المحيرة فيقول: "ما أعظم الفرق بين الطب كعلم وبينه كفن وقد يفوز الطبيب بنصيب معين من النجاح في أحدهما لكن المريض في أشد الحاجة إلى كل منهما والطب كعلم يدرس في كليات الطب، أما الطب كفن فعلى الطالب وحده أن يكتسبه بالملاحظة والتجربة مستعيناً ببصيرته وقوة تميزه ومستمداً مبادئ هذا التمييز من عقله الباطن بمعنى أن مبادئ الفن تأتي تلقائياً" وهنا أشدد التأكيد على كلمة (تلقائياً) لأن قدرة الأداء هي نتاج هذه التلقائية الزاخرة إن قابليات الإنسان لا تنفتح فتمتلىء بالمعارف والمهارات وتصبح جاهزة للتجلي والتدفق إلا بالرغبة الجياشة وإن تحويل المعلومات إلى معرفة ذاتية تلقائية جاهزة للاستعمال وكذلك اكتساب المهارات الدقيقة المتحفزة مرهون بهذه الرغبة وإن إتقان الأداء لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تمت تعبئة القابليات بالمهارات إلى درجة الاكتظاظ فينساب الأدء المتقن إنسياباً تلقائياً ويبلغ الاكتناز أقصاه في ألعاب السيرك وغيرها من أنواع الرياضة البدنية القائمة على التدريب الدقيق والمران الطويل والممارسة المنتظمة وبذلك تتشكل هذه المهارات العالية إنها اكتناز جاهز للتدفق وهي برمجة ناجزة وحاشدة تجعل إنسياب الأداء الباهر تلقائياً.

ويفرق فردريك لويس بين علامات وأعراض المرض التي يدرسها كل طلاب الطب وهي ظواهر موضوعية عامة يمكن ملاحظتها بسهولة حتى لغير الطبيب أحياناً لكن هذه العلامات العامة هي إطار فضفاض لا ينطبق على جميع الحالات فكل حالة مرضية هي حالة قائمة بذاتها وما لم يكن الطبيب شديد الاهتمام وذا خبرة ناضجة وبصيرة نافذة فلن يدرك خصوصية الحالة التي أمامه فيدرجها ضمن إحدى الصيغ الثابتة فيتعامل مع الإنسان الفرد كقطعة من مادة جامدة لا تختلف حالته عن أية حالة نمطية وبذلك تحتجب حقيقة المرض ويتعذر الشفاء وربما تتفاقم الحالة لذلك يؤكد فردريك لويس بأن التشخيص الصحيح ينبع من البصيرة النافذة التي كونتها الخبرة الناضجة فيؤكد أن كل حالة هي: "مسألة ذاتية وليست موضوعية وهذه الأعراض يدركها الطبيب بطريق غير مباشر وبواسطة ما يدور في عقل المريض وبما يستنتجه ويحكم به حكماً ذاتياً"، فما لم يكن الطبيب شديد الاهتمام ويضع نفسه مكان المريض ويحس بما يعانيه ويتخيل حاجته الشديدة للشفاء فيتعاطف معه ويعتني به وتشتد رغبته في شفائه فإنه في الغالب لن يفيده وربما تسبب في مضاعفة مرضه بأخطاء التشخيص الناتجة عن الغرور والتسرع وتوهم المعرفة أو الإهمال أو هما معاً وإذا أصاب في التشخيص فقد يأتي الضرر من ضعف المهارة خصوصاً في العمليات الجراحية فقدرات الإنسان لا تشع وتحتشد وتتآزر إلا إذا توفر الاهتمام القوي المستغرق.

إنه يؤكد بأن أشد الأطباء انتفاشاً ووثوقاً بما يعرف هو أشدهم فجاجة وأٍقلهم كفاية وأبعدهم عن إتقان مهنته ويورد أمثلة من الأخطاء التي تنجم عن الثقة الفجة بالمعرفة النمطية وهي تجارب صارخة مر بها هو شخصياً ومر بها غيره لكن تحت سمعه وبصره وإشرافه إنه يرى أن الطبيب الذي يعتقد أنه توصل بسرعة إلى تشخيص الحالة التي أمامه فلا يكاد يترك للمريض فرصة لإكمال كلامه لأنه يعتقد أنه قد عرف الداء لمجرد تشابه الأعراض مع حالة نمطية مما حفظ إنه بهذا التسرع يحكم على نفسه بأنه أبعد الأطباء عن الصواب وأقلهم اكتساباً للخبرة فهذه الثقة البادية هي دلالة الفجاجة وليست دلالة النضج لأنه يشخص المرض ليس بفهم الحالة ذاتها وإنما بإرجاعها إلى واحد من الأنماط التي درسها مع أن هذه الأنماط مجرد عون إرشادي وإطار واسع عام يساعد على التصرف لكنه غير دقيق فلكل حالة خصوصية تنفرد بها عن أية حالة أخرى ثم يؤكد: "ليس هناك رذيلة كالغرور تقتل مواهب الطبيب" ويقول: "وحتى بعد سماع كل ما يقوله المريض واستنتاج كل ما يمكن استنتاجه من العلامات والأعراض قد يجد الطبيب أمامه احتمالات عدة قد تبلغ العشرة أو أكثر ولا بد أن يدقق ويعيد التدقيق ويستبعد الاحتمالات واحداً واحداً ويرجح احتمالاً واحداً قبل أن يبت في الأمر نهائياً" هكذا تتسع رؤية الطبيب إذا نضج فلا يتسرع بالتشخيص ولا يعتمد على الحالات النمطية وإنما يوسع دائرة الاحتمالات ويناقش كل احتمال ثم يستبعده إلى أن يصل إلى الاحتمال الأرجح نعم الأرجح فقط وليس المؤكد هكذا هو العقل العلمي يدرك حدوده فلا يتحول إلى إنسان وثوقي مغلق لا يتجاوز ما اعتاده وهذا الانفتاح على الاحتمالات ليس خاصاً بالطب وإنما هو مطلوب لكل عمل وكل تقييم.

إن قرار الطبيب يتعلق بأهم ما يملكه إنسان وهو صحته وحياته وهو قد يعني إجراء عملية جراحية أو الاستغناء عنها إنه قرار خطير تتعلق به حياة إنسان ما زال متعلقاً بالحياة وخلفه أهل وأولاد وأقارب ينتظرونه لذلك يقول هذا الطبيب الخبير: "غير أن كل جراح حي الضمير طاهر الذمة دقيق التفكير فخور بأمانته العلمية وشرفه المهني لا يقدم على إجراء عملية لمريض قبل أن يتصبب العرق من جبينه بحثاً وتفكيراً وتقليباً للأمور على كافة وجوهها ودراسة جميع احتمالاتها وقد دلت التجارب على أن إرجاء القيام بالعملية الجراحية أو النصح بالكف عن التفكير فيها نهائياً يكون من صالح المريض في كثير من الأحوال ولا بد للطبيب أن يراعي أشياء لا حصر لها قبل أن يعقد النية على إجراء العملية (ومع ذلك) فكثيراً ما تكون سرعة البت في إجراء العملية فوراً أسلم عاقبة" أجل إنه قرار يستحق أن يتصبب العرق قبل اتخاذه ولكن الموقف إيجاباً أو سلباً يتحدد بدرجة اهتمام الطبيب وضميره ونضج خبرته ومستوى إحساسه بأحاسيس الآخرين بل إن درجة الاهتمام قوة أو ضعفا هي ناتج كل هذه الصفات العظيمة.

ويرى أن النضج المهني الكامل لا يمكن أن يتحقق لأن الحالات تتجدد لذلك فإن على الطبيب أن يواصل التعلم وأن يراقب: "عن كثب آناء الليل وأطراف النهار طلباً للحكمة وشحذاً للبصيرة وقوة التمييز" فإذا توهم صاحب المهنة أنه قد بلغ الكمال فإن ذلك بداية الانحدار وتدهور الكفاية.

ويلفت النظر إلى الاختلاف النوعي بين المعرفة النظرية والأداء العملي فيقول: "هناك فرق شاسع بين ما يعمله الطبيب وكيف يعمله وما لم يكن الإنسان موهوباً فوق المعتاد فإنه يخطئ حتماً في الكثير من المواقف التي لم يكن له عهد بها من قبل وتبدو أخطاؤه جسيمة غير معقولة كلما استعادتها ذاكرته فيما بعد" إن المعلومات تختلف نوعياً عن الفعل فبعض المتفرجين على المباريات الرياضية قد يعرفون عن قواعد اللعبة أكثر من اللاعبين أنفسهم ولكن لو نزلوا للميدان لكان الاخفاق نصيبهم بل ربما كانوا مدعاة للسخرية لأنهم سيأتون بحركات خرقاء.

ويؤكد هذا الخبير بأن الخطأ صفة ملازمة لأي عمل بشري فمهما طالت الخبرة ومهما امتدت سنوات العمل ومهما بلغ الحرص فإن الإنسان ليس معصوماً من الخطأ ولكن القاعدة الأساسية هي أن لا نكرر الأخطاء وأن نستفيد من أخطائنا بتوسيع دائرة الفهم وامتداد مدى الرؤية وأن نتوقع الخطأ دائماً لكي نتفاداه بقدر الامكان وأن نتعلم منه إذا حصل وأن نعترف به فلا نخفيه فيقول: "نحن معشر الأطباء لا نتقن مهنة الطب اتقاناً تاماً ولكننا نتعلم أحياناً ألا نقع في الخطأ عينه أكثر من مرة ومن النادر ألا يرتكب أحدنا خطأ يحمر له جبينه كلما ارتسمت صورته في ذهنه بعد وقوعه بسنة أو عشر سنوات أو أكثر" إن التعامل مع الخطأ من أهم المعايير الحضارية فالمجتمع المفتوح المزدهر الواثق الناضج لا يستنكف من الخطأ ولا يتردد عن الاعتراف به إذا وقع فالمهم أن نبذل أقصى الجهد للتعلم أن نحرص على الإتقان وأن نستنفر قدراتنا لتجنب الخطأ وأن نؤمن بأنه لا مفر من الوقوع في بعض الأخطاء ولكنها عون كبير للمزيد من التعلم.

لقد قرأت الكتاب واستمتعت به غاية الاستمتاع واستفدت منه أكبر فائدة ليس فقط بوصفه خلاصة تجربة ثرية وسخية: علماً وفكراً ورؤية ولكن أيضاً بوصفه تحفة أدبية ومرشداً أخلاقياً وقيمة إنسانية ومتعة ذهنية لا تعدلها أية متعة فلقد كان رائعاً في قصه وخياله وأفكاره ويقظة ضميره وعذوبة أسلوبه وفي نضوج تجربته وتواضعه وواقعيته إنه يتناول حكايات واقعية لكنها أشد إثارة من أشد الروايات إمتاعاً.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق

عدد التعليقات : 3
(جديد) ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    مع اشراقةكل يوم احد انتظر عند بوابة جامعتكم , أنتظر بشوق لابداعكم سيدي.

    محب لفكركم الخلاق (زائر)

    UP 0 DOWN

    08:34 صباحاً 2008/07/27

  • 2

    تراكم أي معلومات بكافة المجالات تتطلب الاعتماد على معرفة تاريخ المرض لكل حاله بمفردها سواء سياسية اجتماعية اقتصادية مما ينعكس التحليل الخاص على العام من الأمراض نتيجة الخطوة خطوة للوقوف على كل حاله بمفردها في بداية الآمر.

    سليمان الصقعبي (زائر)

    UP 0 DOWN

    09:53 صباحاً 2008/07/27

  • 3

    حب المهنه ( أى مهنه ) يدعو الانسان الى المتابعه وهذه بدورها تحقق التفوق والابداع وبدون ذالك لا يتحقق النجاح بل ان الدخول الى مهنة ما لا يرافقها الحب والهوايه مصير صاحبها الفشل لانه كمن يتجرع الدواء لذا كثيرا من المهن اليدويه او الفكريه او الاداريهفشل اصحابها لانهم أتو اليها وهم لا يحملون الهواية التى يتحقق من خلالها الابداع

    عبدالله عبد المعطى الدوسرى (زائر)

    UP 0 DOWN

    06:17 مساءً 2008/07/27