الاحد 24 رجب 1429هـ -27 يوليو2008م - العدد 14643

حول العالم

أمة جنكيز خان

فهد عامر الأحمدي

    بدأت صباحي اليوم بدون فكرة معينة أكتب عنها (وهذا عارض خطير بالنسبة لكويتب مثلي)... غير أنني تذكرت فيلما وثائقيا رأيته ليلة البارحة جعلني أتساءل: كيف يمكن لشعوب وديعة ولطيفة أن تتحول الى شعوب قاسية وجبارة خلال فترة بسيطة من عمر الزمن!؟

فالفيلم كان عن الشعب المغولي وحياته البسيطة التي تعتمد على رعي الأغنام وشرب حليب الخيل والماعز.. وحينها بدأت أتساءل إن كان هذا هو الشعب الذي ارتكب أعظم المجازر في التاريخ!؟.. إن كانوا أحفاد من استولى على أكبر مساحة من الأرض ووصلوا الى شرق أوربا وجنوب آسيا وعموم الهند!؟.. حيث لم يبد عليهم- في الفيلم- شيء من ذلك بسبب لطافتهم ووداعتهم والحياة البسيطة التي يعيشونها اليوم / في حين كانوا يثيرون الرعب في الماضي لدرجة إخلاء المدن قبل وصولهم وبناء سور الصين العظيم اتقاء لشرهم! -

... وقصة المغول تعود الى ماقبل 700عام حين نجح محارب صغير يدعى جنكيز خان في توحيد القبائل المتناحرة وتوجيه طاقاتها نحو الخارج. وخلال فترة حياته فقط (وتحديدا بين عامي 1180- 1227م) احتل 12.587.400كم مربع شكلت ثلاثة أرباع العالم المعروف في تلك الأيام.. وكان جنكيز خان يعتمد على مبدأ الإبادة الجماعية لتفتيت الممالك وإرهاب الدول وتسهيل السيطرة على المناطق المقهورة (نظرا لصغر جيشه مقارنة بالمساحات التي احتلها).. فبين عامي 1210و 1219مثلا قضى جنوده على 35مليون مدني في شمال الصين وحدها (وهو رقم يفوق دول الخليج قاطبة) وبين عام 1311و 1340كرر أحفادهم ذات المجازر وقضوا على أكثر من 30مليون فلاح صيني.. أما في افغانستان وإيران وآسيا الوسطى فقضى جنكيز خان على مدن وقرى بأكملها وكان جنوده يتنافسون على قتل أكبر عدد من المدنيين قبل غروب الشمس..

وحين توفي عام 1227خلفه أبنه أوقتاي خان الذي نقل سياسة الإبادة الى أوربا حيث قضى على ملايين البشر في المجر وبولندا- وكاد يستولى بالفعل على معظم أوربا الغربية لولا وفاته المفاجئة في احدى المعارك -.. وبعد وفاته وقع الاختيار على تيمورلنك- حفيد جنكيز- الذي أباد سكان آسيا الوسطى وبغداد ودمشق وحلب وحماة والعديد من قرى الشام (ولكنه لم يتمكن من دخول شمال أفريقيا بفضل انتصار المصريين عليه في معركة عين جالوت عام 659هجرية).. ورغم اعتناقه الاسلام إلا أنه اتجه شمالا لمهاجمة الدولة العثمانية الفتية وهزيمة السلطان بايزيد الأول - في وقت كان فيه بايزيد يواصل فتوحاته الناجحة في أوربا -.

ولكن ؛ رغم غزوات المغول الناجحة إلا أنهم عجزوا عن تأسيس امبراطورية متماسكة تملك رابطا ثقافيا أو دينيا أو قوميا.. وهكذا كان من الطبيعي أن تنهار وتتفكك فور وفاة قائدها العسكري (وهذا ما حدث بعد وفاة جنكيز خان وأقتاي وهولاكو وتيمورلنك).. الاستثناء الوحيد هو ما حدث في الهند التي دخلها المغول كغزاة- أحرقوا المدن وأبادوا السكان- ثم اعتنقوا الاسلام وأسسوا إمبراطورية راقية استمرت حتى الاحتلال البريطاني في القرن التاسع عشر (من بقاياها اليوم مبنى تاج محل)!!

... ومعرفتي المتواضعة بتاريخ المغول هو في الحقيقة ما أثار في نفسي الاستغراب من طبيعة الحياة البسيطة (والوديعة) التي يعيشونها حاليا في عزلة شبة تامة عن المدنية الحديثة..

فمنغوليا ليست فقط دولة منعزلة سياسياً - ومعزولة جغرافياً- بل ويعيش نصف سكانها حياة البداوة والرعي ولا يعرفون الكثير عن ماضيهم الحافل..

... وصدق من قال لكل زمان دولة ورجال..