مشروع الملك عبدالله للحوار... تنظير متفرد لتلاقي الحضارات بدلاً من تصادمها
جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، التي ألقاها في افتتاح مؤتمر حوار الأديان الذي عُقد في العاصمة الأسبانية "مدريد" في السادس عشر من يوليو الحالي، لتوضح معالم أسس المشروع الحضاري الجديد، الذي يسعى، من خلاله، حفظه الله إلى غرس بذرة جديدة تؤسس لعلاقة أكثر شمولية وإنسانية بين بني الإنسان.
ومن خلال قراءتي الأولية لكلمة الملك عبدالله في المؤتمر، بدا لي أن مشروعه للحوار بين الأديان يتأسس على قاعدتين رئيسيتين هما:
أولاً: حتمية وكونية الاختلاف بين الأديان والمذاهب والثقافات. بحيث يترتب على هذه الحتمية ضرورة التعايش معها كواقع بنيوي معاش، بدلاً من(وهم) القدرة على تذويبها في بوتقة واحدة، كما هو الشأن مع مشاريع الحوارات السابقة، سواء منها تلك اكتست ثوب التقريب أو التوحيد بين الثقافات، والأديان منها على وجه الخصوص، أو تلك التي استصحبت (وهم) امتلاك الحق الحصري لأيديولوجياتها.
ثانياً: الانطلاق من حتمية الاختلاف بين الأديان والمذاهب والثقافات، باعتباره، أي الاختلاف، ذا بعد اجتماعي في الأساس، إلى إبراز وتدعيم القيم المشتركة بينها، والتي تشكل أحد ثوابت بنياتها. لتكون قاعدة للتعامل المشترك بين أتباعها والمتماهين معها.
ولعل أول ما يلفت النظر في مشروع الملك عبدالله، الذي اتضحت معالمه جلية في كلمته الآنفة الذكر، هو ذلك التشخيص الدقيق للمشكلة الرئيسية التي تعاني منها علاقة الأديان والثقافات ببعضها، والتي كانت، أعني تلك المشكلة، سببا رئيسيا في فشل معظم مشاريع الحوارات التي تبناها قبله مفكرون وعظماء لم يكونوا يعانون من قلة الحماس لخلق علاقة أكثر إنسانية بين الشعوب، بقدر ما فشلوا في تحديد معوقات التواصل، للانطلاق من فوقها وصولا إلى ما يؤسس للتسامح بينها، ومن ثم التعاون والتعاضد، نتيجة لتحييد معوقات التماس بينها منذ البداية. فقد شخص الملك عبدالله، بعين الفاحص الخبير، أسباب فشل مشاريع الحوارات السابقة بأنها ترجع إلى سببين رئيسيين، خلقا بدورهما خطابين نقيضين. "يتميز" أحدهما بأن بعض مشاريع الحوارات التي اتخذته مطية لها "تحولت إلى تراشق يركز على الفوارق ويضخمها" . ومن ثم فهي ليست أكثر من " مجهود عقيم يزيد التوترات ولا يخفف من حدتها" . بينما كان صدى الخطاب الآخر في أنه شكل مشاريع حوارات "حاولت صهر الأديان والمذاهب بحجة التقريب بينها". و"هذا بدوره مجهود عقيم، فأصحاب كل دين مقتنعون بعقيدتهم ولا يقبلون عنها بديلا". وهذه الحقيقة، أعني اقتناع أصحاب كل دين وكل مذهب بعقيدتهم، تشكل قانونا اجتماعيا صارما لا تنفك من أسره أمة أو دين أو مذهب. وقد أكد ذلك القرآن الكريم بقول الله تعالى : ".. كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون".
ونتيجة لفشل كل من مشاريع صهر الأديان والمذاهب، مثلما هي مشاريع التركيز على الفوارق بينها وتضخيمها، فليس ثمة وسيلة ناجحة لخلق علاقة إيجابية مستديمة بينها إلا التركيز على القواسم المشتركة في مضامينها. وترك خصوصياتها لتكون ضمن مساحة الاختلاف التي جبل الله الخلق عليها منذ أن خلقهم أول مرة. وهذا ما أكد عليه مشروع الملك عبدالله حينما توجه للمجتمعين بمؤتمر مدريد بقوله :"... وإذا كنا نريد لهذا اللقاء التاريخي أن ينجح فلا بد أن نتوجه إلى القواسم المشتركة التي تجمع بيننا ، وهي الإيمان العميق بالله والمبادئ النبيلة والأخلاق العالية التي تمثل جوهر الديانات". وهذه القواسم المشتركة تمثل مشتركا عقائديا وأخلاقيا بين الديانات السماوية والثقافات الإنسانية، أكدها الملك عبدالله بقوله: "إننا جميعا نؤمن برب واحد، بعث الرسل لخير البشرية في الدنيا والآخرة، واقتضت حكمته سبحانه أن يختلف الناس في أديانهم". ومقابل تلك القواسم المشتركة بين الديانات، هناك خصوصية لكل دين، بل لكل مذهب، لا بد وأن تراعى من الجميع تجاه الجميع، لتكون ضمن مساحة الاختلاف الكوني غير القابل بطبيعته للقفز عليه أو تجاهله. وهو أيضا ما أكده الملك عبدالله بقوله :"... ولو شاء لجمع البشر على دين واحد، ونحن نجتمع اليوم لنؤكد أن الأديان التي أرادها الله لإسعاد البشر يجب أن تكون وسيلة لسعادتهم". وهذه الرؤية في مشروع الملك عبدالله، بالإضافة إلى تقدميتها، فهي أيضا تستصحب ما جاء به القرآن الكريم نفسه، من تقرير خصوصيات الثقافات والأديان باعتبارها،أي الخصوصيات، رمزاً أساسياً للاختلاف الحتمي بينها، بقول الله تعالى: "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك (والكاف هنا تشير إلى الاختلاف كمقوم أساسي للحياة البشرية) خلقهم وتمت كلمة ربك ... " إلخ، الآية. ومما له دلالة في هذا الصدد أن القرآن الكريم استخدم، لتأكيد ديمومة وبنيوية الاختلاف بين البشر، الفعل المضارع :(لا يزالون) الذي يفيد، لغويا، ملازمة الخبر للاسم حسبما تقتضيه الحال. وبالتالي فإن ما تفيده الآية، حسب مقتضيات اللغة العربية، أن الخبر (مختلفين) سيظل ملازما للاسم (واو الجماعة في: لا يزالون). بمعنى أن الاختلاف سيظل ملازما للخلق ما داموا على ظهر البسيطة.
وما دام الاختلاف حتميا بهذه الصورة،فالسؤال الذي يبرز هنا هو: ما هو نوع ذلك الاختلاف الذي وصفه القرآن بأنه ملازم لحياة البشر؟ أهو مقصور على الفروع داخل الدين الواحد فقط؟ أم هو يشمل الأصول والفروع؟. أم هو يا ترى شيء أشمل من ذلك كله، بحيث يشمل الاختلاف في الديانات نفسها؟. نستطيع أن نجيب على هذه الأسئلة من استطلاع رأي إمام سلفي كبير، هو إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري. الذي فسر الاختلاف، الوارد في الآية الآنفة الذكر، بأنه يرمز إلى الاختلاف فِي الأديان تحديدا، وأن النَّاس، بناء على كونية الاختلاف، لا يزالون مختلفين إلى أديان شتى من يهودية ونصرانية ومجوسية وغيرها. وذلك يعني، من ضمن ما يعنيه، أن الاختلاف داخل الدين الواحد، من افتراقه إلى مذاهب مختلفة، لا يشكل إلا جزءاً من الاختلاف كبنية متكاملة، تتضمن الاختلاف الكلي ممثلا في الاختلاف في الأديان نفسها، إلى الاختلاف الجزئي داخل فرع أو أكثر من فروع الدين الواحد.
إن ريادة مشروع الملك عبدالله للحوار بين الأديان، وليس لوحدة الأديان كما يعزف على نغمتها المتطرفون من حولنا، تكمن في أنه يمثل خطابا وسطا بين خطابين نقيضين. أما أحدهما فيؤمن بقدرته على عولمة قيمه ومعتقداته من خلال فرضها على الآخرين بالقوة، سواء الأخرين من داخل ديانته أم من خارجها. وهو خطاب يؤمن ب "حتمية" الصراع بين الثقافات والأديان. ويمثل هذا الخطاب في الجهة الإسلامية، شيوخ القاعدة والمتعاطفون مع خطابها، ضمنا أو تصريحا. بينما نجد أن أصدق ممثل لها في الناحية الأخرى كامن في أيديولوجية المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية الحالية ومن خلفهم حواضنهم الثقافية، ممثلة بشكل خاص فيما يعرف ب "نظرية صدام الحضارات" التي نادى بها الدكتور صمويل هنتنجتون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد ، ومدير معهد الدراسات الإستراتيجية فيها. وملخص تلك النظرية يكمن في القول بأن الصراع القادم بين الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات، خاصة الحضارة الإسلامية، لن يكون حول الاقتصاد أو السياسة، وإنما سيدور حول "تناقض" قيم الحداثة الغربية مع قيم ما قبل الحداثة. ولا مناص، وفقا لتلك النظرية المحافظة، من فرض قيم الحداثة على مجتمعات ما قبل الحداثة. وهي رؤية تؤسس ل "حتمية" الصراع بين القيم الغربية والإسلام تحديدا.
والإيمان المشترك بحتمية الصراع بين خطابين نقيضين ظاهريا،خطاب القاعدة وخطاب المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، يكشف لنا أن التطرف، وإن اختلف من ناحية المعين الذي يغرف منه، والأيديولوجية التي يريد فرضها، فهو ملة واحدة. فكما يسعى ابن لادن وجماعته إلى "جهاد الكفار" في العالم كله،سعيا إلى فرض قراءة خاصة متشددة للإسلام. ها هم المحافظون الجدد في الولايات المتحدة يسعون من جانبهم إلى "فرض" قراءتهم الخاصة لكيفية عولمة قيم الحداثة الغربية على مجتمعات ما قبل الحداثة!!! .
وسطية خطاب الملك عبدالله بين ذنك النقيضين، تكمن في أنه يقوم على أسس عقلانية تراعي قوانين الاجتماع البشري من جهة، كما تنطلق من " اجتماعية المعرفة" من جهة أخرى. وهذه الأسس تراعي ما يلي:
- عدم القفز على الخصوصيات الثقافية، الدينية منها والمذهبية، واعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الاجتماع البشري، والإيمان، بالتالي، بتماهي أتباع كل عقيدة وكل مذهب داخل العقيدة الواحدة مع المكونات الثقافية لما تربوا عليه وأشربوه منذ الولادة، ومن ثم استحالة تذويب تلك الخصوصيات بدواعي التقريب أو التوحيد.
- الاشتغال على المشتركات العقائدية والأخلاقية وتنشيطها والعمل، من خلالها، على تدشين وحدة إنسانية جديدة تنطلق منها البشرية لإرساء أسس سلام دائم بينها.
في تقديري، إن كان ثمة أمل جديد يقي الإنسانية وهدة التطرف وشبح الحروب الأهلية، خاصة في منطقتنا ومجتمعاتنا نحن المسلمين، فهو، من دون شك، كامن في معطيات هذا المشروع الجديد جِدّةً كلية على المجتمعات البشرية.