بحث



السبت 23 رجب 1429هـ -26 يوليو2008م - العدد 14642

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


المدينة: وقفات مجتمعية

د. مشاري بن عبدالله النعيم
    كنت أتحدث عن مقابلة السيئة بالحسنة، ومسألة ومن غفر وأصلح الذي يعد من عزم الأمور وكيف أن الشخصية المجتمعية غير السوية هي محصلة عوامل متعددة قد لايكون لنفس الشخص دور فيها بل هو ضحية لهذا المنتج النهائي الذي تشكلت عليه شخصيته. فأنا مع فكرة أن كثيراً من الجوانب السلبية التي نجدها في الكثير من الذين حولنا هي نتيجة ضغوط اجتماعية سواء من الاعراف والتقاليد البالية أو من الانغلاق الذي عليه بعض مجتمعاتنا المحلية الذي يولد سلوكيات غالبا ما تكون محصورة ضمن حدود هذا المجتمع المنغلق وعندما تنفتح على مجتمعات المدن الكبيرة المتحركة تبدو في غاية السلبية وأحيانا أخرى في غاية السذاجة وقد تتطور مع اكتساب الخبرة إلى سلوكيات "ردة فعل" حذرة ومتوحشة. اتحدث عن التركيبة المجتمعية السعودية على وجه الخصوص وأحاول البحث عن النمط المجتمعي الذي نعيشة ويشكل مظاهر إيجابية وسلبية وأتساءل عن مصادر إنتاج الشخصية السلبية وكيف يمكن أن نتوقف عندها ونحاول إصلاحها بالتي هي أحسن وبعيدا عن أسلوب الوعظ والارشاد الذي لم يغير الكثير لأنه لم يصاحبه عمل حقيقي. ويبدو لي هنا أن هناك شيئاً ناقصاً في تركيبتنا القيمية رغم أنها ضمن جوهرنا القيمي وبل وحتى التعليمي (كمنهج مكتوب ومحتوى لا كأسلوب تعليم) وهو التكافل وعمل الخير، على المستوى الفردي البسيط لا على مستوى رجال الاعمال ومن يملكون المال الكثير. عمل الخير كسلوك في الحياة لا كتطوع في الجمعيات الخيرية، هذه القيمة لم تتطور كثيرا خصوصا إذا ما كان هذا العمل موجها للمجتمع بشكله العام وبصورته المادية وأنا هنا أتحدث عن المدينة بشكل خاص، فهي المكان الذي يجمعنا وبناء مجتمع مديني إيجابي يعنى بالدرجة الأولى بناء الوعي المديني "الخيري" الذي يحقق مبدأ التكافل غير المباشر، فعندما يكون إسهامي في المدينة إيجابياً ينعكس هذا على كل من يعيش في المدينة والعكس صحيح، وتحقيق هذه الايجابية يندرج تحته مبدأ أن "إماطة الأذى عن الطريق صدقة" وهو مبدأ اجتماعي جمالي واقتصادي يصنع سلوكاً إيجابياً راقياً ويحقق فكرة المجتمع المتمدن، ومع ذلك لانجد لهذا المبدأ أي أثر في حياتنا المدينية. سؤالي دائما كيف تتشكل الشخصية المجتمعية السلبية ولماذا نعيد صناعتها باستمرار ولماذا لانتوقف أمام هذه الظاهرة ونحاول دراستها وتبني مناهج مجتمعية تبني السلوك المجتمعي الايجابي.

كتبت قبل أسبوعين تقريبا حول "أنسنة المدينة"، وقد كنت أفكر في حقيقة الأمر في منظومة القيم التي يمكن أن تصنع "أنسنة المدينة" لا مجرد بناء الوعاء المادي لتحقيق هذه الانسنة. الفكرة التي تراودني دائما أنه لايمكن أن تستمر أي مدينة في إنسانيتها دون مبادئ يؤمن بها سكانها تجعل منها مدينة إنسانية، فأنا مؤمن أن صفة الانسانية تأتي من السلوك وعندما تربط الانسانية بالمدينة فنحن نتحدث عن السلوك المديني الذي يجعلنا نتعامل مع بعضنا البعض داخل إطار المدينة بشكل إيجابي يفترض أنه ينعكس على الشكل المادي للمدينة ويشكلها في كل تفاصيلها، ولا يمكن تصور أي برنامج لأنسنة المدينة دون التفكير في هذا السلوك المديني وكيف يمكن إشاعته في المدينة. عندما يتحدث البعض ويقول إن مدننا بحاجة إلى أنسنة فهو ينتقد هنا "السلوك المديني العام" لا شكل المدينة لكنه يعبر عنه بشكل مادي من خلال شوارع المدينة وساحاتها فتمظهر "الانسنة المدينية" هو تمظهر مادي لكن جوهره سلوكي إنساني، فعندما نبني الساحات والحدائق ولا يستخدمها أحد هذا لا يعني أن الناس لاتريد حدائق وساحات وممرات للمشاة بل لأن تلك الساحات لم تتوافق مع السلوك المجتمعي ولم تفهم احتياجاته الحقيقية. وعندما نشاهد من يستخدم الطريق يرمي علب المشروبات من سيارته دون أن يعبأ بمن حوله فليس الحل هو في زيادة عمال النظافة بل في إعادة تشكيل الوعي المديني وبناء سلوك إيجابي مختلف عن السابق. أحد مبادئ التكافل وعمل الخير منع الأذى عن الآخرين الذين يعيشون معنا والذي يعد ضمن "الصدقة" كما أن مبدأ "لايمنعن أحدكم جاره من أن يغرس خشبته في جدارة" هو مبدأ إجتماعي تكافلي تفاعلي يؤدي إلى التنازل للغير عن بعض الحقوق الشخصية من أجل بناء مجتمع مديني متلاحم. احترام الطريق قبل بناء الطريق "الإنساني" وأنا هنا لا اقصد أن بناء الطريق غير مهم لكن بناء من سيستخدم الطريق ويحترمه أهم.

ربما تتضح معالم "انسنة المدينة" في الطريق أكثر من أي مكان آخر ولعل من يتوقف عند أي إشارة مزدحمة (على سبيل المثال إلإشارة المؤدية إلى طريق الأمير محمد بن عبدالعزيز من طريق الملك فهد) سوف يجد قلة الصبر وعدم احترام الطريق من البعض الذين لايقفون في الصف ويأتون من الخلف للدخول على صفوف السيارات من الأمام ويعطلون الطريق ويزيدون من "الضغوط المجتمعية" على من يستخدم الطريق. هذا الخلل السلوكي لايجد من يصلحه حتى أن رجال المرور يشاهدون ما يحدث ولا يحركون ساكنا. ولا أريد أن أقف كثيرا عند الاسباب التي تصنع مثل هذا السلوك لكن بكل تأكيد لن تكون مدننا إنسانية وسكانها لايحترمون بعضهم بعضا ولا يجمعهم سلوك مديني منسجم ومتناغم. ربما كان يجب على أن أفكر في "احترام الطريق" قبل "إماطة الأذى عن الطريق" وكان من الأجدى أن أفكر في الحث على التوقف عن زيادة الأذى في الطريق قبل تنظيف الطريق واحترامه. ويبدو لي أن المسألة تحتاج إلى إعادة تفكير في معنى "المجتمع المديني" الذي يجب أن يشكله التعليم ويحكمه قانون قوي لا يقبل من أحد أن يتخطاه أو أن يكون فوقه .

الأمر الواضح هنا أن أنسنة المدينة هي نتيجة لا غاية فتحقيق الأنسنة ليس منتجاً مادياً وإن كان يتشكل ويتمظهر ماديا. وقد انتقدني البعض في مقالي السابق بأنني أحاول التقليل من ما يقوم به البعض لتحويل مدننا إلى مدن إنسانية وهذا ليس صحيحا بل أنني أشد على أيديهم وهم يحاولون ونحن يجب أن نحاول معهم ونعمل جنبا إلى جنب معهم ولكن بعض التنبيهات ضرورية والبحث عن تصورات أخرى قد تكون منسية مسألة حيوية من أجل تحقيق النجاح، فإذا كان هدفنا هو صناعة "مدينة إنسانية" فيجب أن نفكر في الهدف الاساسي وهو الانسان "ذلك المجهول" ويجب علينا التعرف عليه أولا قبل أي شيء آخر.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية