الإرهاب النووي.. معالمه وطرق مواجهته
الإرهاب النووي، إنه الكابوس الأكثر رعباً في عالم اليوم، الكابوس الذي لم يعثر المجتمع الدولي بعد على سبيل للتغلب عليه.وكثيرة هي الدراسات التي ناقشت هذا الموضوع، وخاصة في السنوات التالية لأحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر.كما يمكن القول، في الوقت نفسه، بأن بعضاً من الدراسات الأكثر مرجعية في هذا الصدد قد صدرت في العقد السابع من القرن العشرين، وعدداً منها بات متاحاً بالكامل على الشبكة العنكبوتية.وهي في الحقيقة دراسات تستحق الكثير من الإشادة.
لقد تضمنت الميزانية الدفاعية للولايات المتحدة، اعتباراً من العام الجاري 2008، موارد مالية مخصصة لمكافحة الإرهاب النووي.ويدور الحديث عن ضمان التخزين الآمن للمواد المشعة في الولايات المتحدة وخارجها، بالإضافة إلى التخطيط لعمليات تعقب الجماعات التي تسعى إلى الحصول على السلاح النووي.وفي موسكو، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في اجتماع هيئة رئاسة مجلس الدولة، الذي تم عقده في نهاية العام 2007: "لا بد أن تكون منشآت الطاقة النووية، ومستودعات المواد المشعة، محمية بصورة آمنة من أي تطاولات إجرامية".
وتفيد التقارير الدولية باكتشاف 1080حادثة مرتبطة بالتصرف غير القانوني للمواد النووية والمشعة، أو فقدانها، خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني يناير 1993وكانون الأول ديسمبر
2006وبصفة مجملة، يتخذ الإرهاب النووي ثلاثة أشكال أساسية هي: استخدام الذخائر النووية ( وخاصة القنابل الصغيرة) لإصابة أهداف محددة، وتنفيذ الأعمال الإرهابية ضد المنشآت النووية ( بما في ذلك مفاعلات الطاقة العاملة بالوقود النووي)، واستخدام المواد المشعة، بما فيها المواد المنخفضة الإشعاع، بهدف القتل.
الحقائب النووية:
وقبل عقد من الزمن، أشارت بعض التقارير الدولية إلى أن تنظيم القاعدة تمكن من شراء عشرين قنبلة نووية صغيرة من روسيا في خريف العام 1998.وتشير التقارير إلى أن هذه العملية قد تمت بواسطة أشخاص شيشانيين قاموا بسرقة القنابل المذكورة ( التي تعرف أيضاً بالحقائب النووية) من مستودعات الأسلحة الروسية. وتزن القنبلة الواحدة منها ما بين 30إلى 50كغم، وتماثل قوتها التدميرية قوة القنبلة الذرية التي ألقيت على مدينة هيروشيما. وتشير تقارير أخرى إلى أن تلك القنابل النووية قد حصلت عليها القاعدة من أوكرانيا وليس من روسيا،حيث قام علماء أوكرانيون ببيعها لوسطاء شيشانيين. كما ظهرت رواية ثالثة تشير إلى احتمال حصول القاعدة على القنابل الأميركية (ADM) التي كان الجيش الأميركي يملك منها في ثمانينات القرن الماضي نحو 600قطعة.
وقد بدأت قصة (الحقائب النووية) منذ خريف العام 1997عندما أعلن السكرتير السابق لمجلس الأمن الروسي الجنرال المتقاعد الكسندر ليبيد، في خضم حملته الانتخابية على رئاسة إقليم كراسنويارسك، عن اختفاء 100قنبلة نووية صغيرة من المستودعات العسكرية الروسية. وقد أيد رئيس حركة حماية البيئة الروسية في ذلك الوقت الكسي يابلوكوف تصريحات الكسندر ليبيد، مؤكداً على وجود 700"لغم نووي" في الاتحاد السوفياتي كانت تحت تصرف هيئة أمن الدولة (كي جي بي). ورجح الرجلان إمكانية حصول المقاتلين الشيشان على تلك القنابل النووية.ويجب أن نشير هنا إلى أن حشوة القنابل النووية الصغيرة عبارة عن مجموعة من النظائر المحددة التي لا تعمل كبديل للبلوتونيوم سوى لفترة قدرها ستة أشهر من تاريخ صنعها.ولهذا إذا تم ترجيح وقوع تلك القنابل ال 20منذ العام 1998بأيدي تنظيم القاعدة فإن فترة صلاحيتها قد انتهت منذ وقت طويل.
وتضم ترسانات الدول النووية الثماني( الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وإسرائيل) نحو 12100ذخيرة نووية. وطبقا للتقديرات الدولية، تمتلك روسيا 5682ذخيرة نووية، مقابل 5521لدى الولايات المتحدة. أما الترسانات النووية لبريطانيا وفرنسا والصين فهي أصغر بكثير، وهي تصل إلى: 185و 348و 130ذخيرة على التوالي.وفي أواسط ثمانينات القرن الماضي، كانت "مراكز حفظ" الذخائر النووية في الاتحاد السوفياتي تعد بالآلاف، وتنتشر في كافة أنحاء البلاد، وإن كانت مزودة بوسائل متطورة للحماية من التدخل. وفي أواخر ذلك العقد أقبلت قيادة القوات المسلحة على نقل كافة الذخائر النووية إلى أراضي روسيا، وبحلول كانون الأول ديسمبر من العام 1991لم يبق أي منها في أراضي الجمهوريات السوفياتية ما عدا أوكرانيا. وفي فترة لاحقة سحبت روسيا كل السلاح النووي المتبقي من أوكرانيا والدول الأعضاء في حلف وارسو.
تفجير المفاعلات النووية:
وإضافة إلى الاستيلاء على قنابل نووية، تكمن أحد الأشكال الأخرى للإرهاب النووي في تخريب أو مهاجمة المنشات النووية، بما في ذلك محطات الطاقة العاملة بالوقود النووي.إن مفاعلات الطاقة النووية، وغيرها من مرافق أجزاء دورة الوقود النووي، كمرافق التخصيب والتخزين وإعادة معالجة الوقود المستهلك، معرضة للهجوم أكثر من المنشآت العسكرية. وهي توفر إمكانية إحداث تلوث إشعاعي كبير في المناطق المجاورة لها. ولا تشمل السيناريوهات النظرية الطائرات الانتحارية أو هجمات الشاحنات المفخخة لإحداث انتشار للمواد النووية من المرافق عن طريق انفجار فحسب، بل تشمل أيضا احتمال وجود مجموعة تتوفر لديها معرفة بتصميم منشأة ما فتقوم بإحداث تسريب فيها على نحو يُعرّض أنظمة السلامة للخطر، كتلك المتعلقة بالتبريد والاحتواء.
ومن المعروف أن تفجير رأس نووي متوسط يؤدي إلى تلويث طويل الأمد لمساحة تبلغ عدة كيلومترات مربعة بالمواد المشعة، بينما يسفر تدمير مفاعل للطاقة النووية، أو مستودع للوقود النووي المستهلك، عن تلويث عدة مئات من الكيلومترات المربعة. أما تدمير مفاعل تخصيب اليورانيوم فيتسبب في تلويث إشعاعي لبقعة تبلغ مساحتها عدة آلاف من الكيلومترات المربعة.
وقبل عقدين من الزمن، تسرب جزء من الوقود النووي ( ثلاثة إلى خمسة في المائة) من مفاعل تشرنوبيل الأوكراني إلى المناطق المجاورة، فتبخر حوالي 30بالمائة من "السيزيوم"، الذي يحتويه الوقود النووي لينتقل مع الهواء إلى مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن موقع المحطة. وإذا أخذ بعين الاعتبار مرحلة العمر النصفي للسيزيوم وهي 30عاماً، البلوتونيوم وهي 24ألف عام، يمكن القول إن تهديد الإشعاعات الصادرة عن المفاعلات النووية يعد تهديداً كارثياً على نحو كبير.وتشير عدة دراسات متخصصة اليوم إلى أن عدداً من مستودعات اليورانيوم العالي التخصيب البلوتونيوم في روسيا والولايات المتحدة، ناهيك عن الدول الأخرى، ليست محمية على نحو كاف من الهجمات التخريبية.
سرقة المواد منخفضة الإشعاع:
وإضافة للخطرين سابقي الذكر، يكمن أحد أشكال الإرهاب النووي في استخدام المواد النووية منخفضة الإشعاع في صناعة ما يعرف مجازاً بالقنبلة القذرة. وهذا النوع من المواد النووية متوفر ضمن طائفة واسعة من التطبيقات في القطاعين المدني والعسكري، كما أن الحماية التي تتمتع بها مواقع تخزينها أقل بكثير من نظيراتها المخصصة للصناعات العسكرية،وهي بالتالي أكثر عرضة للاستغلال في العمليات التخريبية. وهناك اليوم اقتراحات حول إجراءات احترازية يجب اعتمادها على المستويات الوطنية، من بينها وضع ضوابط تعتمد تقنية البيانات الحيوية للتعرف على هوية من يستطيعون الوصول إلى المواد الحساسة، ومراقبة المرافق والموظفين عن بعد، واعتماد أنظمة وبرمجيات كمبيوتر متصلة بوحدات الرد السريع في الأجهزة الأمنية.
الجهود الدولية
لمنع الإرهاب النووي
إن كافة دول العالم متهمة بتعزيز المنظومة العالمية للأمن النووي، والتي تعتبر معاهدة الحماية المادية للمواد النووية (تم تبنيها في العام 1979) أحد أركانها. ومن أجل أن تستفيد الدول من حقها السيادي في تطوير واستخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية، وفقا لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وميثاق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن من الضروري صياغة آلية مضمونة لدرء مخاطر الاستيلاء غير القانوني على المواد النووية واستخدامها لأغراض إجرامية.
وقد تبنى مجلس الأمن الدولي في العام 2004القرار 1540الذي يهدف إلى منع وقوع أسلحة الدمار الشامل ومكوناتها في أيدي الجهات غير الحكومية.وفي نيسان أبريل من العام 2005أكملت اللجنة الخاصة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة صياغة مشروع المعاهدة الدولية لمكافحة أعمال الإرهاب النووي، بعد نقاشات دامت ثماني سنوات.وتهدف هذه المعاهدة إلى إرساء القاعدة القانونية لمكافحة أعمال الإرهاب النووي بشكل فعال، بما في ذلك منعها وإزالة آثارها. ومن المؤمل أن تضمن المعاهدة حماية المنشآت النووية، سواء المستخدمة للأغراض السلمية أو العسكرية، من الهجمات الإرهابية.وكانت معاهدة مكافحة أعمال الإرهاب النووي قد أعدت لأول مرة من قبل المجتمع الدولي على أساس وقائي - أي قبل وقوع الأعمال الإرهابية التي تستخدم فيها المواد النووية وغيرها من المواد المشعة. كما تعد هذه الوثيقة أول معاهدة عامة تهدف إلى منع وقوع الأعمال الإرهابية التي تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل.
وعلى الرغم من ذلك، يعتبر نص الاتفاقية بصيغته الراهنة وليد حل وسط إلى حد بعيد. إذ لا تنسحب بنود الاتفاقية، مثلا، على قصف القوات المسلحة لمحطات الطاقة النووية السلمية، مع العلم بأن مسألة حماية هذه المحطات تكتسب أهمية ملحة للأمن البشري. وقد تقدمت الصين بمقترح يدعو لتحريم استخدام القوة ضد هذه المحطات، بيد أن اقتراحها لم يلق إجماع الدول المعنية.
تحركات مختلفة
وفي تحرك آخر، ضمن التحركات الرامية لمنع الإرهاب النووي،اتخذ المجلس الدائم لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي في أوائل تموز يوليو من العام 2005قراراً "حول التصدي لتهديد المصادر المشعة"،أعدته وبادرت إلى طرحه كل من روسيا والولايات المتحدة. وقد تعهدت البلدان ال 55الأعضاء في المنظمة،وفقا لهذا القرار، بالتزام سياسي بشأن الانضمام إلى مدونة السلوك المتعلقة بضمان حركة نقل المواد المشعة عبر الحدود الدولية بشكل آمن وسليم،والتي وضعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتم بفضل هذا القرار تطبيق المدونة في كافة المجال الجغرافي للمنظمة،الأمر الذي أسهم في تقليل احتمالات ومخاطر وقوع المصادر المشعة في أيدي غير أمينة.
وإضافة إلى ذلك، هناك المبادرة العالمية لمكافحة الإرهاب النووي، وهي مبادرة جديدة أعلن عنها الرئيس الأميركي جورج بوش والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في اجتماع ثنائي في سانت بطرس بورغ، في منتصف تموز يوليو 2006.وتهدف المبادرة إلى "إقامة شبكة متنامية من الدول الشريكة الملتزمة باتخاذ إجراءات فعالة لإقامة دفاع عميق متعدد الطبقات يمكنه التكيف باستمرار مع طبيعة التهديدات المتغيرة". وتدعو المبادرة المشاركين فيها إلى القيام بسلسلة من الخطوات المعززة للأمن النووي، مع قيام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدور المراقب، وتشمل هذه الخطوات: أولاً، تحسين عمليات وضع سجلات المواد النووية ومرافقها، وتحسين عمليات ضبطها وحمايتها.ثانياً، اكتشاف ووقف النشاطات غير المشروعة المتعلقة بمواد الأسلحة النووية.ثالثاً، معالجة عواقب عمليات الإرهاب النووي.رابعاً، تعزيز التعاون في مجال تطوير تكنولوجيات جديدة لمكافحة الإرهاب النووي.خامساً، ضمان اتخاذ أجهزة تطبيق القانون جميع الإجراءات لحرمان الإرهابيين الذين يسعون إلى امتلاك أو استخدام مواد نووية من الملاذ الآمن. سادسا، تعزيز الأطر الوطنية القانونية لدى المشاركين في المبادرة من أجل أن تتسنى مقاضاة الإرهابيين وغيرهم من داعمي الإرهاب النووي بشكل فعال، والاقتصاص منهم في حال القبض عليهم.
وتقوم الدول المشاركة في المبادرة الدولية لمكافحة الإرهاب النووي، والتي يزداد عددها باستمرار، بإجراء تدريبات في إطار هذه المبادرة، التي تعتبر خطوة هامة على طريق تعزيز قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1540، الذي يهدف إلى منع وقوع أسلحة الدمار الشامل ومكوناتها في أيدي الجهات غير الحكومية.
وأخيراً، فإنّ الحماية المحكمة للمواد والمنشآت النووية لن تكون ممكنة إلا بإيجاد منظومة شاملة من الإجراءات الوقائية.وإن ابتكار وتطبيق مثل هذه المنظومة يجب أن تكون إحدى أولويات المجتمع الدولي.