العرس الدامي..
د. مطلق سعود المطيري
أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض، ليس هناك من يشكك في هذه الحقيقة، وتراثنا زاخر بالحكايات عن أعز الأبناء، الغائب (دون تحديد لاسم) حتى يعود، والمريض حتى يشفى، وعن الأم التي قتلها ابنها، وعندما تعثر لحظة الهروب وصرخ " آه " نطق قلب الأم القتيلة "اسم الله، يا كبدي يا ابني"، وحكايات عن الرسول عليه الصلاة والسلام وكيف كان يحمل الصغار على ظهره ليسعدهم، وفي موروثنا أن الأطفال إذا ماتوا يدخلون الجنة في منزلة الشهداء والطاهرين، وقيمنا الإسلامية تدعونا إلى الرحمة بالصغار - سواء كانوا أولادنا أو لم يكونوا - وبالعطف على اليتامى من الأطفال وثواب ذلك معروف، وتمنعنا من "أكل مال اليتيم" وتعد بأعظم الجزاء لكل من يرفع المعاناة عن طفل أيا كان والأمثلة لا تستوعبها الكتب..
وبلدنا مهبط رسالة إسلام الرحمة والعدل، وأهلنا كلهم مسلمون يملأ قلوبهم نور الدين ويهديهم صراطا مستقيما يرفع من قيمة الإنسان ومثله وأخلاقه، ومجتمعنا من أكثر بلاد الدنيا أمنا واستقرارا وهدوءا، ليس مجتمع عصابات وإجرام وخروج على القانون، فكيف مع هذا كله يستقيم خبر يأتينا كالصاعقة عن أب حاول أن يسوي ابنته الطفلة بالأرض بسيارته، أو آخر ضرب طفلته بعصا المكنسة فاخترقت بطنها إلى خارج الظهر، وأن يجد شجاعة وحشية للنظر إلى الصغيرة مثل ذبيحة تعد للشواء، أو ثالث يتفنن في تشويه براءة الصغيرة بالسوائل الحارقة حتى تموت!
هل تصدقوني؟ ربما كان هؤلاء جميعا أكثر رحمة - قليلا - من رجل يبيع صغيرته ابنة العاشرة لعجوز، وأفظع ما في الأمر أن يتم هذا البيع "على سنة الله" ! سواء كان الدافع طمعا في مبلغ من المال ولو تحت وطأة العوز، أو كان مزحة ثمنها براءة صغيرة لم ترق معاملتها إلى مستوى "دمية" .
الفارق بين الدعوة والسلوك كالفارق بين الأرض والسماء فكيف نفسر تلك الأحداث؟
في تصوري الخاص أن الأمر في أساسه رؤية اجتماعية للأنثى، فمن بين كل الحوادث لم تصادفنا حادثة ضحيتها ابن، في كل الحالات - أو أغلبها الغالب - الضحية فتاة مسكينة في سن البراءة، رؤية اجتماعية ورثت عن الأجداد وأد الفتاة صغيرة، وأحلتها بوأد الفتاة كبيرة وبأساليب حديثة، قد لا يكون من بينها القتل أو الذبح، ومع ذلك فأبسطها أشد قسوة من القتل، مصادرة لحرية الحركة حتى وإن كانت لا تخرجها عن تعاليم الشريعة، خروجها إلى دروب الحياة محفوف بالشك والخوف والريبة والغضب، مصادرة لحقها في إثبات الذات والتميز في سباق إنساني ليس من شروطه تحديد لجنس المتسابق في مجالات الدراسة والعمل، مقيدة إن سارت، ومحاصرة بجدران ركن إن عملت، ومجبرة على رفقة رجل - ولو سائق بوذي - ان ركبت سيارة، (تحمد ربنا أن نالت هذا الذي نالته ولو كان أقل القليل) ، وبطبيعة الحال فإن من هانت كبيرة في سن الرشد هي بلا أدنى ثمن صغيرة حتى وإن كانت فلذة الأكباد.
ربما كان لكل هذا ما يبرره في رأي القساة، أما مالا يمكن أن يكون له أي تبرير فهو فرض رجل على امرأة لا تريده، كيف تستطيع إنسانة أن تتم دربا كاملا للحياة برفقة كابوس يجثم على المشاعر ويفت في الدماغ ؟ أليس في هذا تغليب لأهمية العرف الاجتماعي على أهمية الطاعة لدين الرحمة ؟
العرس الدامي ليس زواج طفلة العاشرة الصادم لكل القيم، ولكنه زواج كل فتاة يتم في ظل تلك النظرة، بل ربما هو أكثر قسوة وأشد استهانة، وكل مصادرة لحق طبيعي للإنسان بغض النظر عن جنسه، وكل اغتصاب لفرصة عمل شريف، وعلى هذا القياس تغص شوارعنا وأزقتنا في كل لحظة بمشهد من مشاهد ذلك العرس.