لست أدري كيف للمرء أن يرسم صورة للوحشية والإجرام البشع الذي تمارسه السلطة اليهودية في فلسطين.. غير أنني أجزم أن من لديه ذرة أخلاق وذرة إحساس بالإنسان والإنسانية فإنه سوف ينحني برأسه نحو الأرض أسىً وخجلاً من المستوى الذي وصلت إليه هذه الوحشية، والجريمة المنظمة التي تمارس على بعض بني آدم على كوكبنا الذي صار مفلوتاً من القيم الأخلاقية، وأصبحتَ ترى الألاعيب السياسية والحيل والأكاذيب، والأساليب القذرة لامتهان الإنسان وسحل كرامته وفسخه من نسيجه الإنساني تعلن جهرة وأمام أعين الناس صباح مساء.!!
لا أظن أن من لديه ذرة شعور بالوجود الإنساني الا وتختلج ذرات الدم وتتعارك في عروقه وهو يرى ذلك الشاب الفلسطيني معصوب العينين مقيداً مذلاً، ثم يطلق عليه الرصاص كما يطلق على دمية في مسرحية هزلية، أو وهو ينظر إلى تلك المرأة العزلاء الرثة الثياب الرثة السند، وقد اطلق الجنود الإسرائيليون كلباً متوحشاً ينهشها ويخرق جسدها وهي تلوذ بالعجز، والضعف، والبؤس، وقلة الحيل والحيلة، وقلة المعين، وقلة النجدة والنخوة، وإلى ذلك الطفل ذي السبع سنوات وهو يرفع قميصه، ويظهر بطنه تحت تهديد الجندي الإسرائيلي الذي وضع فوهة البندقية مصوبة نحو قلبه..
شيء مخجل والله، ومخل بالأخلاق الإنسانية عامة، فاين أصحاب الضمائر الحية؟ هل هناك بقية تهتز للدم الإنساني؟ هل هناك بقية من أصحاب القلوب التي تنبض بالدم الآدمي؟ أين هم مما يحدث؟ اين هم من هذه المشاهد البشعة؟ التي تقشعر لها أبدان البهائم بل قلوب الحجارة!! بل دعوني أسأل أين أولئك الذين يتحدثون صباح مساء من كتابنا عن الإنسانية، وعن حقوق الإنسان، والذين يجلدوننا صباح مساء بتلك الأفكار الشاذة، والتي تقدس سلوك الإنسان الغربي المتحضر!! أين هم مما يحدث؟ أين هم من قتل الأطفال، واحتلال الأرض، وإحراق المزارع، وتعذيب بني البشر بلا ذنب ولا جريرة؟ لماذا يقابلون ذلك بالصمت بل بالرضا المغلف بالصمت، ذلك الصمت الذي لا ينم عن أخلاق نظيفة، ولا مروءات شريفة، ورجولة، تقف مع الحق، والعدل، والإنصاف. أين أولئك الذين يسوطوننا بأقلامهم، يدعوننا إلى أن ننبهر بالسلوك الغربي الذي يمارس علينا أبشع أنواع الإهانة والمذلة والتعذيب.. إنني أتحدى أولئك أن يكتبوا حرفاً عن الذبح في العراق وعن احتلال العراق وعن الذبح في فلسطين، أتحداهم أن يكونوا قد كتبوا عن سجن غوانتانامو، أو السجون السرية في أماكن كثيرة تمارس فيها أسوأ الممارسات التي مرت بتاريخ البشرية.. إنني أتحداهم أن يكتبوا عما يرونه يومياً من إهانة وخروج عن حدود المعقول في ممارسة الطغيان والقهر في فلسطين.. أقول لهؤلاء إنكم إنما تمارسون رغاء ونفاقاً، ومخرقة، وأن الناس لن تحترمكم، ولن تحترم ما تكتبون، فأصبح عريكم واضحاً وممجوجاً، وأنكم دخلتم إلى دائرة الهوان، والاحتقار، وأن ما تكتبون ما هو إلا ضرب من ضروب الهزال، والتجديف.. فالناس تجاوزت بعقولها وإدراكها وبمشاهدها وتجاربها مرحلة البهرجة والزيف، وصار لديها الحصافة والدراية، مما يجعلهم يكممون أنوفهم عن رائحة كل أنواع النتن والعفن الذي تغرق فيه أحرفكم، كما أقول ووفقا للنواميس الكونية : إن الحق في النهاية سوف يصرع الباطل، وإن الأيامى واليتامى والمعذبين في الأرض لا بد أن ينتصروا على كل أنواع الغدر والألم، وإن الأرض سوف تنبت برجال، وأجيال تعرف كيف تنظف الأرض من أرجاس المحتلين والغزاة.
وأقول أيضا : إن في التاريخ موعظة وأية موعظة..!