تحرص المملكة على توفير ما يحتاجه المواطن من متطلبات أساسية، بأسعار رخيصة، وأمام عينيها رخاء المواطن ومحاربة الفقر أساس كل بلاء. ومن اهم السلع التي تدعمها الدولة الوقود بأنواعه حتى صار أرخص من الماء أحيانا.
وفي هذا السياق، طالعتنا صحيفة الشرق الاوسط في العدد 10813بتاريخ 2008/7/6على نتائج تقرير لشركة بي بي البريطانية والذي ذكر أن المملكة تستهلك اكثر من مليوني برميل من النفط يوميا، كما أشار إلى أن الاستهلاك المحلي للنفط ارتفع بمعدل 7.2في المئة سنوياً مقارنة بمتوسط نمو يعادل 4.4في المئة في دول المنطقة، وهو ما يدل على وجود استهلاك ضخم يوازي ما قرابة 20في المائة من إنتاج المملكة من النفط.
والسؤال الذي يطرح نفسه وينتظر الاجابة من أصحاب الخبرة والاختصاص هو ما يتعلق بمدى جدوى توفير الوقود بالاسعار المنخفضة الحالية؟ فالنفط سلعة ناضبة، وهذه حقيقة لا يشكك في صحتها أحد فهل نستثمر هذه الثروة بشكل اقتصادي يقلل الاستهلاك ويؤخر نضوبها في ظل الاسعار التاريخية الحالية وما يجري عليها من مضاربات في اسواق المال؟
للإجا بة على السؤال يجب تحديد المحاسن والمساوئ من جميع النواحي التي تمس المجتمع، والتي من أهمها ما يتعلق بالنواحي الاقتصادية والبيئية.
فمن الناحية الاقتصادية،هناك عدة جوانب مهمة لتحديد الجدوى. الجانب الأول يتمثل في تحديد الشريحة المستفيدة الاكبر في المجتمع، هل هي شريحة ذوي الدخل المحدود؟ ام شريحة الاغنياء واصحاب الشركات؟ ولجعل السؤال اكثر تحديداً، هو ما مدى استفادة ذوي الدخل المحدود من دعم اسعار الوقود؟ بالطبع سيتم توفيرجزء من تكاليف المواصلات والمواد الأخرى، ولكن ما هي نسبة تكاليف المواصلات من اجمالي تكاليف الأسرة الواحدة؟ السؤال الثاني يتمثل في تحليل تأثير أسعار الوقود على أنماط الاستهلاك، وهل كان لها الاثر الايجابي أو السلبي؟ إن المبالغة في رخص اسعار الوقود له عدة جوانب سلبية، كحال اي مادة رخيصة يزيد استهلاكها ويساء استخدامها وقد تجد طريقها إلى الدول المجاورة. ومن أهم مظاهر تلك الجوانب السلبية كثرة استخدام السيارات، وغير الاقتصادية منها بشكل خاص. إن ما يلاحظ في شوارعنا هو انتشار السيارات ذات الاستهلاك الكبير والمكلف للوقود أمثال السيارات الرياضية وذات الدفع الرباعي، في نفس الوقت الذي تزداد فيه شعبية السيارات الاقتصادية والاقل تلويثاً في الدول الغنية المتقدمة. بل إن بعض السيارات الكبيرة ذات الدفع الرباعي قد تم إيقاف تصنيعها لعدم جاذبيتها الاقتصادية في الوقت الحالي. فهل ساهمت أسعار الوقود في تغيير نمط الاستهلاك المحلي لتزيد جاذبية السيارات ذات الاستهلاك الكبير للوقود؟ يقابلها تقليص الطلب على السيارات الاقتصادية؟
وفي ما يتعلق بالناحية البيئية، يلاحظ في شوارع مدننا الازدحام الشديد حتى غدا معظم اليوم (وقت ذروة)، مع ما يسببه الزحام من تلويث للجو وانتشار للأمراض التي لها علاقة بالتلوث. وقد يكون لسعر الوقود المنخفض دور في ذلك، حيث تزداد جاذبية قيادة السيارة لفترات أطول .فبينما يشجع ارتفاع أسعار الوقود على ركوب أكثر من شخص في السيارة، تساهم الاسعار المنخفضة في تقليص هذه العادة الجيدة التي تساهم في توفير المال وحماية البيئة. لن أتطرق هنا لتأثير أسعار الوقود على استخدام المواطنين للنقل العام لعدم قابلية الموضوع للطرح في الوقت الحالي، ولكن ما مدى تأثيره على المستخدمين التقليديين من الايدي العاملة مثلاً؟ هل ساهت الاسعار المنخفضة في تقليص الطلب على النقل العام وزيادة الجاذبية الاقتصادية لاستخدام السيارات الخاصة، وبالتالي المزيد من الازدحام والتلوث؟ هل ساهم هذا التخفيض في تشجيع هواية الدوران في الشوارع من قبل الشباب والتي تستمر إلى أوقات متأخرة من الليل، خاصة مع غياب وسائل الترفيه الأخرى، مؤدية لمزيد من الهدر الاقتصادي والازدحام والتلوث؟
اذا كانت الاجابة بنعم على تلك الاسئلة، فهل تغيير نمط الاستهلاك على هذا النحو يحقق أهداف الدولة من دعم الوقود؟ وماهو المردود الحقيقي للمواطن من دعم أسعار الوقود؟ ماذا عن الفقير الذي هو اكثر من تضرر من ارتفاع أسعار النفط العالمية بأكثر من طريقة؟ وفي ظل الارتفاع التاريخي لاسعار النفط، أليس من الأجدى تخصيص كل زيادة في أسعار الوقود لدعم المواطن ومحاربة الفقر ورفع مستواه المعيشي وخاصة تمكينة من بناء مسكنه بتوفير الأراضي وزيادة مخصصات البنك العقاري وسرعة الاقراض دون الانتظار لسنوات، فالسكن يستهلك نصف دخله أحياناً، وتعليم أطفاله في مدارس تضاهي مالدى الدول المتقدمة لأن هذا هو أعظم استثمار للمستقبل، وإيجاد سرير له في المستشفيات من دون عناء. سيكون هناك تأثير على الأسعار عند رفع أسعار الوقود، ولكن الدعم الحكومي يمكن ان يستمر عن طريق دعم المزيد من المواد الغذائية، أو توفير بطاقات شراء الوقود التي قد توزع على الشريحة المتضررة.
انها أسئلة كثيرة ومهمة، والإجابة عليها تحتاج إلى جهد وتكاتف من جميع الجهات الحكومية والخاصة، لتوفير المعلومات المهمة للباحثين وصانعي القرار لتحديد مدى استفادة المواطن المباشرة وغير المباشرة من دعم اسعار الوقود سواء على المستوى الاقتصادي أو البيئي.
علينا ان نتعلم من أخطائنا وأخطاء الآخرين فالقرارات الاستراتيجية مكلفة للغاية لكن نتائجها لا تظهر إلا بعد سنوات من تنفيذها. ولنا في الطفرة الأولى خير مثال، وزراعة القمح مثال حي على ذلك. إن أفضل القرارات هو ما يبنى على أسس علمية تصدر بعد دراسات متأنية من أصحاب الاختصاص في الجامعات والوزارات المعنية والشركات الكبيرة مثل أرامكو. هذه الدراسات تأخذ باعتبارها جميع العوامل المؤثرة. فمشاكل اليوم هي حلول الأمس، وبدون الدراسات العلمية تصبح حلول اليوم مشاكل الغد.
يستحق هذا الملك الصالح وهذه الحكومة الرشيدة كل المخلصين الذين يملكون الرؤية البعيدة والشجاعة في اتخاذ القرار، لتصبح المملكة مثالاً يحتذى على مستوى العالم ولتقفز بنا إلى العالم الأول حيث الرخاء للجميع.
والفرص عادة لا تتكرر، وكما قيل: أنت لا تضع قدمك في النهر مرتين.
@ المملكة المتحدة