د. محمد عبدالرحمن الشمري
ما أن يتقرر اجتماع لإحدى مؤسسات بريتون وودز (البنك الدولي)، (صندوق النقد الدولي)، وثالثهما (منظمة التجارة العالمية)، حتى تهب مجموعات من الشباب والشابات للاحتجاج على تلك الاجتماعات، ومحاولة التأثير عليها، والسعي لإفشال برامج عملها. وفي الغالب، تتكون جماعات (مناهضي العولمة) من مؤسسات المجتمع المدني في دول تتمتع بعضوية تلك المؤسسات. واصبح لها تأثير يؤخذ في الحسبان منذ مؤتمر (سياتل) الشهير، وأحداث (روما) بعد أن أصبحت تلك الجماعات مستعدة لتقديم تضحيات في الأرواح في سبيل تحقيق أهدافها. وكان لتواجدها على الساحة الدولية الأثر المباشر لتردد الدول في استضافة اجتماعات تلك المؤسسات خاصة منظمة التجارة العالمية.
لكن لماذا الصخب الذي تثيره تلك الجماعات ؟. وهل هناك تناقض بين رؤية الشعوب ورؤية السياسيين الذين يمثلونهم في تلك المؤسسات؟.
الواقع يشير إلى أن المؤسسات الدولية فقدت الكثير من مصداقيتها أمام الشعوب، إما بسبب تخبط سياساتها، والفساد في قياداتها، أو بسبب هيمنة القوى العظمى على قراراتها، أو تبنيها قوالب نظريات اقتصادية جاهزة لا تصلح للتطبيق على اقتصاديات دول مثل اليمن أو تايلاند على سبيل المثال. ولذلك يكون الطموح نحو الارتكاز على سياسات وطنية تقدر أولويات الاقتصاد المحلي وحدود إمكاناته وقدراته.
يضاف إلى ذلك أن قيادات مناهضي العولمة الاقتصادية ينطلقون من نظرة عميقة لبعض الأمور لا يدركها بعض السياسيين والمفاوضين. فهم ضد تحرير حركة الأيدي العاملة وآثارها السلبية كاتساع الهجرة والتأثير على تركيبة المجتمعات وما ينتج عنها من مشاكل أمنية واجتماعية. وهم ضد تحرير الزراعة لما له من أثر سلبي على التنمية الريفية. ويعتقدون أن تحرير التجارة يصب في صالح الدول الغنية على حساب الدول الفقيرة. ويخشون التوسع في نظام براءات الاختراع ليشمل إبراء بعض أوجه الحياة، كتقنية الاستنساخ، والجينات، والتكنولوجيا ذات التأثير على التنوع الحيوي في النبات والحيوان، والمسائل المتعلقة بأضرار البيئة.
وقياساً على أقرب الأحداث، فقد أثر زئير مناهضي العولمة على المفاوض الأوروبي بشأن مسائل الزراعة المتعثرة حتى الآن، وجعلته أكثر تردداً من أي وقت مضى، وأصبحت مسائل الزراعة حجر عثرة أمام النظام التجاري متعدد الأطراف، وقد تهدد بقاءه واستمراره، أو تتسبب في جموده لفترة طويلة.
تلك نبذة مختصرة عن هموم وتطلعات مناهضي العولمة الاقتصادية. ومواقفهم جديرة بالدراسة والتعمق للاستفادة منها بما يخدم مصالحنا في المنظمات العالمية كدولة نامية. فنحن نلتقي معهم في رؤيتهم لبعض المسائل، كتحرير الأيدي العاملة، وخلق نوع من التوازن في الحقوق والواجبات بين الدول داخل إطار المنظمات الدولية. ودرء التشريعات التي تخالف النظام العام والآداب العامة. وتقليص الفجوة بين الدول المتقدمة والدول النامية فيما يتعلق بنقل التقنية وتملك المعرفة.