في كل مرة يظهر أحد المتورطين في الإرهاب أو أحد أفراد عائلته للحديث عن تجربتهم نتعرف على القصة المأساوية المتشابهة نفسها التي يرددونها. وهي باختصار أنه تعرض ( ابنه أو شقيقه) للشحن الفكري المتطرف الذي جعله ملائما للانخراط في عالم الإرهاب. ولكن مثل هذه القصص العاطفية المؤلمة تفتقد في الغالب لأهم فصولها عندما تتجاهل الدور الأهم للأشخاص الذين قاموا بالشحن الفكري والوجداني الذي لولاهم لم تورطنا في التطرف والإرهاب، "ولم نتضرر" كما قال صالح حمدان أحد العائدين من الإرهاب، في المقابلة المميزة التي أجراها معه الزميل صغير العنزي ونشرت أمس الأول في "الرياض".
في هذا المقابلة يركز صالح على ذلك المقطع المفقود والمهم من القصة عندما يوضح أنه ينوي مقاضاة هؤلاء المحرضين حيث يقول: "أنا وغيري ممن تضرر وخسر الكثير سوف نرفع دعوى ضد كبار أصحاب هذا الفكر الذين رجعوا أو الذين لم يرجعوا لأنهم بأشرطتهم المهيجة التي استمرت -طيلة عقدين من الزمن - تقدح في أذهاننا. أضاعوا مستقبلنا العلمي والوظيفي". هذا التأثير المدمر، لهذه الشخصيات، على صالح والمشابهين لحالته الذي جعلهم يخسرون مستقبلهم العلمي والوظيفي، وحرمهم من أسرهم لأوقات طويلة هو التأثير الأخف على الرغم من فداحته. فهم ساهموا بإزهاق أرواح المئات من أبنائنا في الداخل والخارج، وجعلوا المئات غيرهم يقبعون في السجون وملاحقين في كل مكان، وتسببوا في تمزيق الكثير من العائلات عاطفياً. هذا فقط أحد تأثيراتهم السيئة التي قاموا بها، ولكن تأثيرهم الأكثر سوءا هو زرعهم لثقافة التطرف والكراهية داخل مجتمعنا.
إذا كان صالح وزملاؤه سيقاضونهم قانونيا، فإننا يجب أن نقاضيهم فكريا حتى نتخلص من فكرهم وأذاهم إلى الأبد. لذا من المهم جدا أن نتعرف على الدور القبيح الذي قاموا به، ونروي القصة كاملة حتى لا تتكرر من جديد. من المهم أن يتعرف الناس بأنفسهم على أفكارهم المتشددة وطرق تأثيرهم وطبيعة شخصياتهم. هذه الشخصيات استطاعت أن تزرع أفكارها المتزمتة والعدائية داخل عقولنا لأنهم استطاعوا أن يمرروها عبر أكثر الأفكار المحببة لدينا وهي الأفكار الدينية. ولكنهم قدموا أكثر القراءات سطحية وحرفية وتطرفا للنصوص الدينية. الخطأ الذي ارتكبناه أننا صدقناهم، واقتنعنا بهذه الأفكار التي تعادي المختلف معنا دينيا ومذهبيا، وتحرض على الكراهية، وتحتقر المرأة، وتحارب التفكير العقلاني وتروج للعقلية الخرافية.
لم نصدق ذلك فقط، فقد كنا نعتقد أن هذا هو أكثر تفكير حقيقي ونقي في العالم، وكان أكثر المشاهد سخرية وألماً، عندما دفع الآباء أبناءهم لاعتناق مثل هذا التفكير، ولم يعرفوا أنهم يدفعونهم للجحيم(على المستوى العقلي وحتى الجسدي). لو كنا أكثر حكمة ولدينا عقول منفتحة ومتسامحة لاعتبرنا كل هذه الأفكار التي يرددونها عن كراهية الآخر أو احتقار المرأة هي أفكار مجانين ومهووسين ولن يتأثر بها احد منا. ولكن الذي حدث هو العكس، فقد استغلوا بساطة الناس، وطيبتهم بزرع هذه الأفكار الجاهلة والمتطرفة في عقولهم، وقد تقبلوها سريعا وآمنوا بها.
سنحاكم مثل هذه الشخصيات إذا تملكنا الآن عقولا أكثر حكمة وإنسانية بحيث لا يستطيعون عبر أفكارهم المتطرفة وغير الإنسانية أن يؤثروا علينا أو على أولادنا. الخطأ الثاني الذي ارتكبه الناس هو التصرف الساذج بالوقوع سريعا تحت سلطة وتأثير الشخص الذي تظهر عليه علامات الورع والتقى. الدين مقدس ولكن الأشخاص غير مقدسين. ولكن القداسة انتقلت للأشخاص، وسيكون أمرا جيداً فعلا وقتها لو أن هذه الشخصيات التي ينظر لها بقداسة قد نقلت أفكارا عميقة وإنسانية إلى الشباب. ولكنهم للأسف فعلوا العكس، واستطاعوا من خلال هذه الهالة المقدسة أن يمرروا أكثر الأفكار سوءا التي دفعت الكثيرين أمثال صالح وغيره لأحضان التطرف ومن ثم الإرهاب. تحطيم مثل هذه القداسة الشكلية، وعدم الرضوخ لسيطرتها، والتركيز على الأفكار هي من سيساعدنا على تجاوز تلك المرحلة السيئة من تاريخنا.
ومن المهم بالإضافة إلى ذلك أن نتعرف على بعض الجوانب التي تكشف الجانب الأكثر لؤما في شخصيات أكثرهم. فرغم كل تحريضهم المهيج فإنهم قاموا فقط بإرسال الشباب إلى الموت والسجون والمعتقلات فيما بقوا هم يتمتعون بالراحة والسكينة، وكما يقول صالح فإنهم بعد أن "استغلوا حماسنا وصغر سننا فغرروا بنا، وجعلونا أدوات لأغراضهم السياسية والاجتماعية، وبعد ذلك تخلوا عنا متناسين ما كانوا يملأون به أسماعنا من الشبهات التي غيرت مسار حياتنا". ومع أنهم يدفعون هؤلاء الشباب لإزهاق أرواحهم أو إضاعة مستقبلهم إلا أن هذا بالطبع لا يشمل أبناءهم. انهم لا يمانعون عبر تحريضهم أن يخسر الجميع أبنائهم ولكن هذا لا يشمل بالطبع أولادهم الذين يشعرون بالكآبة لو أصيبوا بالأنفلونزا فقط. ومن المثير للسخرية أنهم يخرجون على الشاشات ليصفوا هؤلاء الشباب الذين حرضوهم بالمجانين والمجرمين والمرضى في محاولة لئيمة ليبعدوا الاتهامات عنهم.
من المحزن أن هذه الشخصية المتطرفة والمستغلة لقداسة الدين والمراوغة شخصيا هي التي ورطتنا في الإرهاب. فهي بصراحة أضعف من أن تقنع أحداً حتى بأكثر الأشياء تفاهة. ولكننا وقعنا في شركها لأننا ربما كنا نجهلها، لذا فإن معرفتنا بها جيدا هو الذي يعني محاكمتها، والتي ستقضي بكل تأكيد بإعدامها على الفور.