الخميس 21 رجب 1429هـ -24 يوليو2008م - العدد 14640

التقليدي..جدلية الإنسان والمكان

محمد علي المحمود

    يحتلّ عنصر المكان - بمفهومه الواسع الذي لا يقتصر على الجغرافيا، وإنما يشمل الواقعة الاجتماعية ككل - أهمية كبرى في سياق تحليل الظواهر الإنسانية، ذات الطابع الاجتماعي العام. عنصر المكان في هذا السياق، وفي ضوء هذا المفهوم، مشدود إلى حقول معرفية لا حصر لها، حتى وإن كانت هذه الحقول - من حيث المرجعية التخصصية - تتمحور حول تخصصين اثنين، يشكلان الدعامة الأساسية لها ،وهما: علم النفس الاجتماعي، وعلم اجتماع المعرفة. فمن عالم هذين التخصصين، تستمد معظم الرؤى التحليلية - واعية وغير واعية - آلياتها في مقاربة جدلية الإنسان والمكان.

البيئة - كحيّز مجتمعي ثقافي - هي صانعة الفرد. فمع كل عناصر التفرد الإنساني؛ إلا أن البيئة الطاغية في شموليتها، قادرة على تذويب هذه العناصر؛ مهما بدت ممتنعة على الذوبان. بل هي تنجح - في كثير من الأحيان - في تحويل عناصر التفرد إلى عناصر داعمة لطغيانها الشمولي. فيصبح الفرد ممعنا - لتثبيت ذاته بواسطة الظفر باعتراف الجماعة - في تتبع سلّم التراتبية، الذي لا يعني الرقي فيه سوى الارتهان التام إلى محددات النسق العام.

الإنسان النمطي، يبحث عن نفسه من خلال التراتبية الاجتماعية/ الثقافية التي تخلّقت على نحو تلقائي. وهي تراتبية ينتجها أي تجمّع إنساني. لكنها في المجتمعات التقليدية، تكون نمطية وضاغطة إلى حد كبير، ولا تترك مساحة للتفرد. بل يصبح الإنسان: فكرا وسلوكا وطموحا، مأسورا إلى محددات مثالية و واقعية، تم التواصي عليه من قبل. الإنسان هنا لا يجترح ذاته، ولا يبدع طريقه، بل الطريق - بكل تفاصيله - قد تم تشكيله سلفا، ووضعت المحفزات والعوائق المتواشجة مع المكانة/ القيمة/ الرتبة؛ ليكون سعي الفرد للظفر بها - بغية تحقيق ذاته - سعيا لإعادة إنتاج المجتمع ذاته، بكل صورة وأنماطه العتيقة البالية، بل بصورة قد تكون أكثر إمعانا في التقليد؛ ومن ثم، أقوى على تدمير الإنسان: فردا ومجتمعا.

وفق هذه الصورة يصبح الحراك الاجتماعي مجرد مَوَات مزمن. حركته مجرد موات نَشِط، يدمر بحركته كل نبضات الحياة التي تشرئب إلى التكون في هذا المحيط الاجتماعي المتآكل. الطموح والعمل والكفاح، كل هذا الحراك الذهني والعملي، لا يغدو إسهاما في البناء، بل يصبح إسهاما في إعاقة البناء. حيوية المجتمع هنا، والمتمثلة في زيادة حراكه، لا تغدو حيوية حقيقية، بل تصبح حراكا في الاتجاه السالب، يرجع بالفرد و المجتمع مربعات التخلف والانحطاط.

المجتمع - أي مجتمع - يتوجّه من حيث نشاطه العام، إلى حيث تكون قيمه ومثله العليا. وتحقيق هذه المثل - واقعيا - يتجسد في التراتبية الاجتماعية التي تضع المكان والمكانة. وهنا يصبح الفرد - وعى ذلك أم لم يعِ، وشاء ذلك أم لم يشأ - مسهما في تحقيق النمو للمجتمع؛ مهما كانت نرجسيته وأنانيته. فهو - في هذه الحال التي يسعى فيها لتحقيق ذاته؛ ولو بأنانية محضة - يسهم في خلق ودعم البنى الإيجابية؛ لأنها هي التي ستكفل له الاعتراف الاجتماعي، وستفيض عليه بأحلام المادة والمعنى.

في العالم المتقدم، تشتعل الفردانية إلى أقصى مداها. لكنها - في الوقت نفسه - فردانية تسهم - بكُلّها! - في تنمية المجتمع وتطويره ماديا ومعنويا. المكان يحدد معالم المكانة. والمكانة والقيمة هي للعلم (العلم الحقيقي، وليس فعل التجميع والتلفيق والاجترار)، كما أنها للعمل المنتج، العمل المسهم في إسعاد الإنسان، وتحجيم مساحة شقائه.

لمكانة/ القيمة، تخلق سلفا، أي قبل أن يأتي الفرد كواقعة في الزمان والمكان. وفي المجتمعات التقليدية لا يجري الفرد القادم أي تغيير على القيمة، بل يعززها ويثبتها؛ لأن مهمته أن يعززها بالعمل من خلالها. وهذا ما يحدث في أي مجتمع تقليدي نمطي. أما في المجتمعات الحيّة، فالقيمة تتميز بثلاثة ملامح، لا تتوفر فيها في نطاق المجتمعات التقليدية، وهي:

1- القيم المهيمنة في المجتماعات المتقدمة، قيم غير سلبية، ولا تقف ضد توجهات النماء الإنساني. بل ولا الفرادة الإنسانية. فهي قيم نشأت بالتدريج عبر رحلة التقدم، وتم تهذيبها بفعل وقائع التقدم، وبما يتلاءم مع التحديات والعوائق التي واجهت هذه العوائق. ومن ثم، فهي قيم فاعلة في الإيجاب، بحيث يصبح الارتهان الآلي إليها - فيما لو حدث - ارتهانا في سبيل التقدم والنماء.

2- تتميز هذه القيم بأنها قيم واسعة، ومتعدد الصور في نطاق البيئة التي تتمتع بانغراسها في مجتمع غير تقليدي. ومن هنا، فهي تترك مجالا واسعا للإبداع من خلالها. وهذا عكس القيم في المجتمعات التقليدية، حيث هي ضيقة ومحدودة، ومن ثم، لا تتسع للإبداع الإنساني، بل لا تتسع لأكثر من التقليد وتقليد التقليد!.

هذا الفرق بين القيمة في المكانين: التقليدي، وغير التقليدي، له أهمية بالغة، في تحديد وضعيتها من حيث الإيجاب والسلب. فعند المجتمع غير التقليدي تمتلك القيمة خيارات وتنويعات؛ لا تحظي بشيء منها القيمة ذاتها في مجتمعات التقليد. وهذا يعني أن وجودها - كقيمة معيارية؛ تمتلك بالضرورة محدداتها ومشخصاتها - وجود نسبي. بل ربما تصل إلى حد أن تكون - كقيمة ومكانة في آن - قيمة رامزة، تستقطب الفعل؛ دونما احتكار يلغي مساحة الاختيار.

3- القيمة/ المكانة في السياق غير التقليدي، ليس مطلقة، وليس نهائية. وهذا ما يجعلها لا تحظى باليقين الثبوتي، الذي يحصنها ضد فاعلية الإنسان التي تقتضي - بالضرورة - إجراء تغيرات على القيمة؛ لتستطيع مواكبة التطور الإنساني. فمع أن القيمة موجودة سلفا، ومع أن الفرد يعمل لنفسه/ مجتمعه من خلالها؛ إلا أنه قادر على تحويرها، والإضافة إليها. وهذا لا يتأتى؛ لو أنها كانت قيمة تمتلك اليقين النهائي، كما هو الحال السياق التقليدي.

إذن، فالمجتمع التقليدي الذي يحدد القيمة والمكانة، وفق مقتضيات السياق التقليدي، يضع لأبنائه هذه القوالب الجاهزة التي يتحنطون فيها، ومن ثم، تأخذهم - بأجساد لا حياة حقيقية فيها - إلى قاع التخلف والجهل والانسحاق الحضاري. فالمجتمع على هذه الصورة، يحفر قبره بيديه، دون أن يشعر، بل يفعل ذلك، وهو يظن أنه يرقى درجات الحضارة، ويصنع مستقبل الغد الأفضل.

وإذا كان هذا هو حال القيمة/ المكانة في سياق نطاق مجتمعات التقليد، فإنها تكون أشد مأساوية في سياق التيار التقليدي ذاته، وما يتفرع عنه من تراتبية، تتحدد فيها - بوضوح - معالم القيمة، وشروط المكانة. ولهذا، تكثر في السياق التقليدي رموز هذه القيمة، وتصبح محل طمع وشوق وانتظار الفرد الذي يريد تحقيق ذاته في الجماعة، ولا طريق له إلا الانخراط سلك التراتبية التقليدية، حيث يبدأ بالتنازل عن فرديته، بدأ من المظهر الشكلاني المتمثل في الزي والجسد والإشارات والعبارات..إلخ، وانتهاء بالأماني والآمال.

لهذا، تناسل هذه الكائنات النمطية التقليدية على نحو مفرط؛ إلى درجة الهوس العام. وبما أن دوائر الأسرة والعائلة والقبيلة دوائر تقليدية في الغالب، فهي تصبح قوى ضاغطة - عاطفيا - على الفرد ليسير في هذا الاتجاه. إذا سار في هذا الاتجاه، وتنازل عن فرديته، وأصبح مرددا لما يقال في سياق التقليد، يقول ما يقولون، ويفرح كما يفرحون، ويبتهج بما يبتهجون به، ويحزن لما يحزنون، سعد به القريب فالقريب، وأضاءت (الأنوار!) في عالمه، وأحرز القيمة، وحاز المكانة. وهذا - بدوره - يقوده إلى أن يمعن أكثر فأكثر في هذا؛ ليحقق المزيد من هذه القيمة. وكلما تحقيق له النجاح في هذا المضمار، زاد يقينه، وتشبّع بما يظنه حقيقة، إلى أن تصبح الحقيقة هي قيمته، و قيمته هي الحقيقة!.

من هنا، ندرك سر هذا الحرص المسعور على بقاء التقليد والبليد على حاله؛ لأنه لم يصبح مجرد رؤية أو مجموعة تصورات، يعاين التقليدي الوجود من خلالها، وإنما أصبح بنية اجتماعية؛ تحفظ مصالح التقليدي الحياتية، وتوفر له القيمة التي بدونها، يعرف أنه لا شيء. وهنا تضيع الحقيقة، ويستعر اللهاث في الاتجاه السالب؛ لأن القيم التي يتجّه إليه مجمل السلوك الاجتماعي، قيم تنميط وتجهيل. فالإنجاز المعتبر - المحقق للقيمة والمكانة - في مثل هذه التراتبية الاجتماعية التي يهيمن عليها التقليد، هو إنجاز في الاتجاه السالب، حيث يكون التجهيل، وتسطيح الوعي العام، وبث روح التشدد والتزمت، وزرع المقولات العنصرية والصراعية، هو فحوى هذا الإنجاز.

هذه هي الصورة السائدة. وإذا أردت أن تدرك مأساويتها، فتخيل العكس. تخيّل أن القيمة/ المكانة الاجتماعية خارج نطاق التقليد، أي أنه تحاز بإحراز الإبداع في المجال العام الحقيقي، وفي مجال الإبداع العملي المنتج. ماذا لو أن سلم القيم كما هو في العالم المتحضرّ؛ حيث تكون قيمة الإنسان بما يقدمه لخير الإنسان، فكل ما كان إسهامه في هذا المضمار أكبر؛ كانت قيمته أكبر. في هذه الحال؛ سيتجه السلوك الاجتماعي - بمجمله - نحو قيم الإنجاز، وسيكون الروح العام في صالح البناء والتطوير، وستبقى جيوب التقليد محاصرة في كهوفها، لا تضر المجتمع الحي إلا أذى. والمجتمع الحي قادر - بحيويته - على احتمال نُتوءات الهوامش وإزعاجها؛ ما دامت لا تؤثر في المتن الحيوي، الذي يتشكل من قوى التقدم والانفتاح، ومن المؤمنين بمستقبل الإنسان.