تحصل للمرء مواقف يحتار في تفسيرها وتظل عصية على فهمه أحيانًا، ومن تلك المواقف ما يتصل بالعنف أو القسوة أو الدمويّة وما يترتب على ذلك من تدمير لحياة الغير بجلب الشقاء أو التعاسة أو غير ذلك من المآسي الفردية دون شعور بالذنب.
ولكن تلك المواقف في الحقيقة مرتبطة بعوامل خفيّة غير معلنة، يلعب فيها الضمير دورًا محوريًا على اعتبار أنه أحد المكوّنات التي تقود سلوك الإنسان. والضمير يمثل صيغة اجتماعية بالدرجة الأولى تتحرك من خلال ثلاثة عناصر هي: حواجز (Blocks) ومرشّحات (Strainers) وشاشات ذاتية (Self-screen). ولهذا فإن التعاطف والشفقة والتأثر والثورة تجاه موقف واحد تختلف من شعب إلى آخر ومن مجموعة إلى أخرى، ويعود السبب إلى أن الناس لاترى الموقف مجردًا، بل يرونه من خلال شاشات عقولهم الذاتية التي وصلت إليها الصورة من خلال عمليتين متداخلتين، أحدهما فلترة الموقف بحذف وإضافة وتشتيت وإعادة ترتيب عناصر معينة؛ والعملية الأخرى هي جزء من عملية الفلترة وهي وضع حاجز أو حواجز على الموقف أو على أجزاء معينة منه. وستركز الأسطر التالية على إيضاح طبيعة الحواجز الاجتماعية المشتركة وأنواعها وطريقة اشتغالها في العقل وتأثيرها على تكوين الضمير.
ثمة حواجز نفسية وعقلية تقوم بثلاث مهام: فهي تتحكم في عواطفنا؛ وترسم مواقفنا؛ وتحدّد رؤيتنا للأشياء. ولهذا فإن لتلك الحواجز سيطرة على كثير من تصرفاتنا الواعية وفي حالات قليلة تسيطر على التصرفات غير الواعية.
هذه الحواجز هي مجموعة معطيات تكوّنت بفعل التنشئة الاجتماعية، تعرف باسم (Blocks Defined Social )، وهذه الحواجز صُنعت عن طريق منظومة الجماعة الموجّهة (Scheme Oriented Group). ولأن هذه المنظومة واسعة ومتشعبة فإنها تفرز حواجز متعددة لكل مجتمع ولكل فرد.
ولتوضيح هذه الحواجز يحسن ذكر مثال عليها. نفترض أن هناك مديرًا في شركة أو جهة أو مؤسسة، تقدّم إليه مجموعة من الموظفين، ومن بينهم شخص ذكي ومتميز يملك المهارات المطلوب شغلها في هذه الوظيفة. يدرك المدير هذه المميزات، ولكنه لايرشح هذا الشخص لهذه الوظيفة ويفضّل ترشيح شخص آخر أقل كفاءة منه، لسبب ربما يكون غير متوقع ولاعلاقة له بالوظيفة، وهو أنه وجد أن الشخص الأول ينتمي إلى قبيلة أخرى غير قبيلته التي تحتفظ بعداء تقليدي قديم لتلك القبيلة، ووجد أن هذا السبب كافيًا للوقوف ضد تعيين هذا الشخص، وحتى لو تطلب الأمر الذهاب بالأمر بعيدًا فإنه من الممكن أن يناصب هذا الشخص العداء ويجيش الأنظمة والآخرين للوقوف ضدّه.
ورغم أن سبب القبول والرفض في ذهن المدير لاعلاقة له بكفاءة الموظف ولا صلة له بطبيعة الوظيفة وليس له علاقة بالخشية من المنافسة، إلا أننا نجد أن المدير يبرر الرفض بمسوغات تبدو منطقية لأول وهلة لأنها تركز على العمل؛ فيذكر أن سبب الرفض يعود إلى كون الشخص متزوجًا ومن المؤكد أن زوجته سوف تشغله عن العمل بطلباتها وبمشكلاتها الصحية والعائلية الكثيرة، ويبدأ يدعم هذا الاحتمال مستعينًا بخبرته فيذكر تجارب سابقة لموظفين عملوا عنده فشلوا لأنهم متزوجون. ولكي يُبعد احتمال قبول ذلك الشخص يذكر مميزات آخر لايمكن انطباقها على ذلك الشخص المتقدّم، وهو أنه يفضّل أن يكون الشخص غير متزوج لأنه يتوقّع منه أن يتفرّغ للعمل وأنه لن يتبرم وسيخلص للعمل بلا كلل ولا ملل، وهذا الشخص هو الذي يستحق الترشيح للوظيفة في رأيه.
ولابد أن نضع بعين الاعتبار معلومات أخرى عن الشخص المرفوض، وهو أنه بالفعل متزوج، وبحاجة ماسّة للوظيفة لأنه سيُطرد من الشقة التي يسكنها بعد أيام قليلة بسبب عجزه عن دفع الإيجار، وسوف تتعرّض أسرته للتشرد إذا علمنا أنه يتولّى مسؤولية الإنفاق كذلك على والديه العاجزين.
هذه المعلومات حينما طرحت على المدير، وجد أنها معلومات يقصد بها المحاباة والسعي إلى تفضيل الفاشلين على المتميزين من خلال الدفع بأعذار ومسوغات لاعلاقة لها بالوظيفة، ويرى أن هذه المبررات كافية لإثبات فشل ذلك الموظف من جهة، ومن جهة أخرى فهي مبررات تؤكد مخاوفه من أن هذا الشخص لن يُخلص للوظيفة وسيكون مشغولا بأعباء أخرى تؤثر سلبًا على أدائه الوظيفي. وهنا يمكن أن يلقي المدير خطبة بليغة عن اهتمامه بالعمل لأجل العمل وليس لأي اعتبارات شخصية أخرى.
إن الواقع الذي يتجاهله المدير هو أن ذلك الشخص لديه دافع قوي للعمل الجاد والإخلاص فيه والتفاني في أداء المهام التي تناط به. ودافعه هو أنه لا يعمل فقط لنفسه، بل كذلك لغيره من أفراد أسرته. ولديه إدراك جيد أن إخفاقه في العمل سيعود بالسلب على غيره ممن ينتظرون لقمة العيش التي يجلبها؛ ولهذا فإنه أحرص على كل دقيقة تمرّ من وقته لاستثمارها فيما يفيد. هذه يعني أن الزواج من عدمه هو احتمال لايمكن الجزم بجدواه دون ربطه بالشخص ذاته؛ فقد يكون الزواج عاملاً مساعدًا للشخص وقد لايكون. وهذا الأمر بحد ذاته يجعل من اتّخاذ أحد الاحتمالين مبررًا لحرمان شخص من وظيفة يستحقها مبررًا غير دقيق وغير أخلاقي في الوقت نفسه.
ولكن، هل يعي المدير رؤية أخرى خلافًا لرأيه؟ وهل يجد أن اعتقاده أن المتزوج سيكون مشغولاً بزوجته عن العمل مقابل تفرّغ غير المتزوج للعمل هو مجرد فرضية يمكن أن تتنافى مع الواقع، وهناك في المقابل فرضية أخرى تعطي أهمية للموظف المتزوج وتقول بحرصه وإخلاصه للعمل؟
هنا يمكن النظر في "الحواجز" التي منعت هذا الرئيس من رؤية الجانب الآخر للموضوع، وسمحت له بإغلاق المنافذ الممكنة للتفكير في مأساة الرجل فيما لو لم يحصل على الوظيفة وحجبت عنه تفهّم معاناة أسرته وربما تدمير حياته وحياة من يعول.
في الواقع، لا يشعر ذلك المدير بأي تعاطف مع الشخص ويحارب أي شعور متعاطف نحوه، ويجد لذّة في تشريده، ويدعمه ضميره في هذا السلوك. قد نتوقّع أن المدير ذو شخصية دموية مع الجميع وأن قلبه قاسٍ لا يلين، ولكننا نتفاجأ بأنه يشفق غاية الشفقة على بعض الناس الذين يتألمون ولكنهم يتّفقون معه في الانتماء. وهنا يتضح لنا أنه يتحكّم في شعوره بحيث يوجّهه نحو مجموعة دون أخرى، فيكون عطوفًا مشفقًا مع مجموعة تشاطره القيم، وشرسًا قاسيًا مع مجموعة أخرى. هذا الحاجز النفسي والعقلي الذي يرشّح تلك العواطف مصنوع اجتماعيًا ويشارك المدير مجموعة أخرى من الناس ممن يؤيدونه ويقفون داعمين لقراره. هذا الحاجز تكوّنه مجموعة عناصر أبرزها: الدين، والقيم الخاصة بالمجموعة، والعادات التي تآلف الناس مع ممارستها. والمثال السابق عن قيمة مفترضة تتعلق بالانتماء القبلي، وثمة أمثلة كثيرة يتكوّن فيها الحاجز بفعل الدين أو العادات، ومن خلال ذلك تُعاد صياغة الضمير.