بحث



الخميس 21 رجب 1429هـ -24 يوليو2008م - العدد 14640

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


ايقاع الحرف
حواجز الضمير

ناصر الحجيلان
    تحصل للمرء مواقف يحتار في تفسيرها وتظل عصية على فهمه أحيانًا، ومن تلك المواقف ما يتصل بالعنف أو القسوة أو الدمويّة وما يترتب على ذلك من تدمير لحياة الغير بجلب الشقاء أو التعاسة أو غير ذلك من المآسي الفردية دون شعور بالذنب.

ولكن تلك المواقف في الحقيقة مرتبطة بعوامل خفيّة غير معلنة، يلعب فيها الضمير دورًا محوريًا على اعتبار أنه أحد المكوّنات التي تقود سلوك الإنسان. والضمير يمثل صيغة اجتماعية بالدرجة الأولى تتحرك من خلال ثلاثة عناصر هي: حواجز (Blocks) ومرشّحات (Strainers) وشاشات ذاتية (Self-screen). ولهذا فإن التعاطف والشفقة والتأثر والثورة تجاه موقف واحد تختلف من شعب إلى آخر ومن مجموعة إلى أخرى، ويعود السبب إلى أن الناس لاترى الموقف مجردًا، بل يرونه من خلال شاشات عقولهم الذاتية التي وصلت إليها الصورة من خلال عمليتين متداخلتين، أحدهما فلترة الموقف بحذف وإضافة وتشتيت وإعادة ترتيب عناصر معينة؛ والعملية الأخرى هي جزء من عملية الفلترة وهي وضع حاجز أو حواجز على الموقف أو على أجزاء معينة منه. وستركز الأسطر التالية على إيضاح طبيعة الحواجز الاجتماعية المشتركة وأنواعها وطريقة اشتغالها في العقل وتأثيرها على تكوين الضمير.

ثمة حواجز نفسية وعقلية تقوم بثلاث مهام: فهي تتحكم في عواطفنا؛ وترسم مواقفنا؛ وتحدّد رؤيتنا للأشياء. ولهذا فإن لتلك الحواجز سيطرة على كثير من تصرفاتنا الواعية وفي حالات قليلة تسيطر على التصرفات غير الواعية.

هذه الحواجز هي مجموعة معطيات تكوّنت بفعل التنشئة الاجتماعية، تعرف باسم (Blocks Defined Social )، وهذه الحواجز صُنعت عن طريق منظومة الجماعة الموجّهة (Scheme Oriented Group). ولأن هذه المنظومة واسعة ومتشعبة فإنها تفرز حواجز متعددة لكل مجتمع ولكل فرد.

ولتوضيح هذه الحواجز يحسن ذكر مثال عليها. نفترض أن هناك مديرًا في شركة أو جهة أو مؤسسة، تقدّم إليه مجموعة من الموظفين، ومن بينهم شخص ذكي ومتميز يملك المهارات المطلوب شغلها في هذه الوظيفة. يدرك المدير هذه المميزات، ولكنه لايرشح هذا الشخص لهذه الوظيفة ويفضّل ترشيح شخص آخر أقل كفاءة منه، لسبب ربما يكون غير متوقع ولاعلاقة له بالوظيفة، وهو أنه وجد أن الشخص الأول ينتمي إلى قبيلة أخرى غير قبيلته التي تحتفظ بعداء تقليدي قديم لتلك القبيلة، ووجد أن هذا السبب كافيًا للوقوف ضد تعيين هذا الشخص، وحتى لو تطلب الأمر الذهاب بالأمر بعيدًا فإنه من الممكن أن يناصب هذا الشخص العداء ويجيش الأنظمة والآخرين للوقوف ضدّه.

ورغم أن سبب القبول والرفض في ذهن المدير لاعلاقة له بكفاءة الموظف ولا صلة له بطبيعة الوظيفة وليس له علاقة بالخشية من المنافسة، إلا أننا نجد أن المدير يبرر الرفض بمسوغات تبدو منطقية لأول وهلة لأنها تركز على العمل؛ فيذكر أن سبب الرفض يعود إلى كون الشخص متزوجًا ومن المؤكد أن زوجته سوف تشغله عن العمل بطلباتها وبمشكلاتها الصحية والعائلية الكثيرة، ويبدأ يدعم هذا الاحتمال مستعينًا بخبرته فيذكر تجارب سابقة لموظفين عملوا عنده فشلوا لأنهم متزوجون. ولكي يُبعد احتمال قبول ذلك الشخص يذكر مميزات آخر لايمكن انطباقها على ذلك الشخص المتقدّم، وهو أنه يفضّل أن يكون الشخص غير متزوج لأنه يتوقّع منه أن يتفرّغ للعمل وأنه لن يتبرم وسيخلص للعمل بلا كلل ولا ملل، وهذا الشخص هو الذي يستحق الترشيح للوظيفة في رأيه.

ولابد أن نضع بعين الاعتبار معلومات أخرى عن الشخص المرفوض، وهو أنه بالفعل متزوج، وبحاجة ماسّة للوظيفة لأنه سيُطرد من الشقة التي يسكنها بعد أيام قليلة بسبب عجزه عن دفع الإيجار، وسوف تتعرّض أسرته للتشرد إذا علمنا أنه يتولّى مسؤولية الإنفاق كذلك على والديه العاجزين.

هذه المعلومات حينما طرحت على المدير، وجد أنها معلومات يقصد بها المحاباة والسعي إلى تفضيل الفاشلين على المتميزين من خلال الدفع بأعذار ومسوغات لاعلاقة لها بالوظيفة، ويرى أن هذه المبررات كافية لإثبات فشل ذلك الموظف من جهة، ومن جهة أخرى فهي مبررات تؤكد مخاوفه من أن هذا الشخص لن يُخلص للوظيفة وسيكون مشغولا بأعباء أخرى تؤثر سلبًا على أدائه الوظيفي. وهنا يمكن أن يلقي المدير خطبة بليغة عن اهتمامه بالعمل لأجل العمل وليس لأي اعتبارات شخصية أخرى.

إن الواقع الذي يتجاهله المدير هو أن ذلك الشخص لديه دافع قوي للعمل الجاد والإخلاص فيه والتفاني في أداء المهام التي تناط به. ودافعه هو أنه لا يعمل فقط لنفسه، بل كذلك لغيره من أفراد أسرته. ولديه إدراك جيد أن إخفاقه في العمل سيعود بالسلب على غيره ممن ينتظرون لقمة العيش التي يجلبها؛ ولهذا فإنه أحرص على كل دقيقة تمرّ من وقته لاستثمارها فيما يفيد. هذه يعني أن الزواج من عدمه هو احتمال لايمكن الجزم بجدواه دون ربطه بالشخص ذاته؛ فقد يكون الزواج عاملاً مساعدًا للشخص وقد لايكون. وهذا الأمر بحد ذاته يجعل من اتّخاذ أحد الاحتمالين مبررًا لحرمان شخص من وظيفة يستحقها مبررًا غير دقيق وغير أخلاقي في الوقت نفسه.

ولكن، هل يعي المدير رؤية أخرى خلافًا لرأيه؟ وهل يجد أن اعتقاده أن المتزوج سيكون مشغولاً بزوجته عن العمل مقابل تفرّغ غير المتزوج للعمل هو مجرد فرضية يمكن أن تتنافى مع الواقع، وهناك في المقابل فرضية أخرى تعطي أهمية للموظف المتزوج وتقول بحرصه وإخلاصه للعمل؟

هنا يمكن النظر في "الحواجز" التي منعت هذا الرئيس من رؤية الجانب الآخر للموضوع، وسمحت له بإغلاق المنافذ الممكنة للتفكير في مأساة الرجل فيما لو لم يحصل على الوظيفة وحجبت عنه تفهّم معاناة أسرته وربما تدمير حياته وحياة من يعول.

في الواقع، لا يشعر ذلك المدير بأي تعاطف مع الشخص ويحارب أي شعور متعاطف نحوه، ويجد لذّة في تشريده، ويدعمه ضميره في هذا السلوك. قد نتوقّع أن المدير ذو شخصية دموية مع الجميع وأن قلبه قاسٍ لا يلين، ولكننا نتفاجأ بأنه يشفق غاية الشفقة على بعض الناس الذين يتألمون ولكنهم يتّفقون معه في الانتماء. وهنا يتضح لنا أنه يتحكّم في شعوره بحيث يوجّهه نحو مجموعة دون أخرى، فيكون عطوفًا مشفقًا مع مجموعة تشاطره القيم، وشرسًا قاسيًا مع مجموعة أخرى. هذا الحاجز النفسي والعقلي الذي يرشّح تلك العواطف مصنوع اجتماعيًا ويشارك المدير مجموعة أخرى من الناس ممن يؤيدونه ويقفون داعمين لقراره. هذا الحاجز تكوّنه مجموعة عناصر أبرزها: الدين، والقيم الخاصة بالمجموعة، والعادات التي تآلف الناس مع ممارستها. والمثال السابق عن قيمة مفترضة تتعلق بالانتماء القبلي، وثمة أمثلة كثيرة يتكوّن فيها الحاجز بفعل الدين أو العادات، ومن خلال ذلك تُعاد صياغة الضمير.

12 تعليق
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


مرحبا بالاستاذ الحجيلان , شكرا لهذا ألاستعراض النفسي والحقيقي لبعض الممارسات التي تجري في حياتنا اليوميه , ولكن في رأيي تبقى تلك الصور وتلك الممارسات هي ذات أرتباط وثيق بالبيئه البيروقراطيه المحيطه بها , حيث نجد أن هناك شذوذا لهذه القواعد ومنها كون بعض ألاشخاص من ذوي التعليم المتخصص وذوي المهن الرفيعه ربما يخرجون من دائرة تفكير هذا المدير البيروقراطي !!! تبقى هناك منافسات لاترتبط بفكر معين وتجبر الجميع على أحترامها لتخصصها وندرتها بل ومساومتها بترغيبها بالارتباط , مع تحياتي...!!!


فضل الشمري
ابلاغ
05:17 صباحاً 2008/07/24

 


من الحواجز التي تجعل الضمير يغيب ولكن ماذا عن انعدام الضمير نهائيا؟
وازيد بان هذه الحةاجز هي السبب لعلمك في الحروب والمشاكل الكثيرة
وشكرا


عصام الرميح
ابلاغ
08:16 صباحاً 2008/07/24

 


الموضوع يتكلم باختصار عن فكرة صياغة الضمير البشري الفردي والجماعي والتأثيرات التي تجعله يحس بماساة شخص ولايحس بماسأة شخص آخر.
وبصراحة لفت انتباهي موضوع التعاطف المزدودج أو المعايير المتناقضة التي يعيشها الشخص في داخله طوال حياته دون ان يشعر بها.
فهذا النوع من الناس من اصحاب الضمير المتلون او المتبدل هو في رايي محدودي الاحساس الانساني بالام البشرية ويهمهم فقط انفسهم ومن يشبههم من لالناس...


عبالرحمن
ابلاغ
08:50 صباحاً 2008/07/24

 


بن حجيلان..سلامي لك @
معه ورده أقدر أسميها..الرياض الصحيفه تفوق ضمير الصحه+
العمل+
والتربية والتعليم
وتنميتها في{ثالوث فاقدي هلورده الضمير}
ما كان الضمير..تعليم,تربية,دواء وبه الصحه والعافيه..أصبح العمل في ساحة الميدان له قوة وأرادة ومفعول قمه@
بس وين هلضمير والطالب فينا يأتي للتعليم والتربيه ومادة الوطنيه في الوزارة كوزارة..مفقودة كعلامه وماركه@
وتذهب للتطبب وتجد المصيبه أكبر كل الرعايه لمن يسوق الكذبه@
وتطل الحمايه من الجوع والفقر..للعمل..وتجد الحرامي والعماله متوفره@
وين الضمير@


بدر اباالعلا
ابلاغ
12:17 مساءً 2008/07/24

 


شكرا لك استاذ ناصر
لقد انرت بصيرتي"


moon
ابلاغ
01:41 مساءً 2008/07/24

 


تحياتي لقلمك الرصين
دائما ما تشبع عقلي بهذه المقالات المحكمة التي تحلل وتناقش وتضرب الامثلة من الواقع.


عبدالمنعم العساف
ابلاغ
01:56 مساءً 2008/07/24

 


كلام جميل شكرا على المقال المفيد.
هذا يفسر لماذا بعض الفئات تشفق على جماعة معينة ولكنها تكيد لغيرها مع أن الكل بشر ولربما من مجتمع واحد ودين واحد.
وهذا كذلك يشرح لنا لماذا يكذب البعض ولما يسرقون ولماذا يقتلون ولماذا يفعلون أمورا قد لايكونون فخورين بها لأنهم في النهاية سيبررون أفعالهم وفق عقليتهم الخاصة ومصالحهم وبعيدا عن الضمير والأخلاق.
مرة أخرى..كانت مقالة رائعة وحرضتني على الكلام.


يوسف اليوسف
ابلاغ
06:47 مساءً 2008/07/24

 


أفضل مثال يوضح الأمر هو الصراع المذهبي
وليس نموضوع القبيلة مع احترامي لقلمك
فهذا النوع من الصراع الذي يبدو غير انساني اطلاقا بين المذاهب هو في عمق الانسانية والتعاطف داخل المذهب نفسه
وللجميع التحية


amal
ابلاغ
09:06 مساءً 2008/07/24

 


شكرا استاذنا الكريم على هالاستعراض الرائع، لكن اذا انعدم الضمير اوغاب فما الحل.


فلفساني نت
ابلاغ
10:44 مساءً 2008/07/24

 10 


اشكرك دائما مبدع وموفق


حمد التركي
ابلاغ
11:07 مساءً 2008/07/24

 11 


أحببت ان اضيف انه فعلا مثال المذهبية سوف يجلي الموضوع ويوضحه اكثر من موضوع القبلية مع عد\م استبعاد القبلية او غيرها من الحواجز


عصام
ابلاغ
12:58 صباحاً 2008/07/25

 12 


أشكرك أخي الكاتب
فعلا أثبت في هذا المقال أن هنا في هذا البلد الطيب يوجد من يأخذ من إيجابيات الغرب
وإظافة بسيطة
ماذا عن الموقف الفردي أي حين يخلو أي إنسان مع نفسه ويبدأ بمخاطبتها ويقرر أمرا معينا أو يحاسب نفسه
يقول المثل الشعبي" العاقل خصيم نفسه والجاهل عدو نفسه"
ولدينا مجموعة من المصلحين الحقيقيين نسميهم علماء ربانيين وهذه أعلى درجة من الحياد في الحكم على الشيء وفضلهم مأخوذ مما يحفضون في صدورهم من القرآن والسنة
وقياسهم للأمور لابد أن يكون متوازنا لثبات ووضوح وصفاء ميختلج في صدورهم
شكرا


أبوأحمد
ابلاغ
02:49 صباحاً 2008/07/25


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية