يمتلك أسلوب المخرج الفرنسي الراحل "روبيرت بريسون" خصوصية جمالية لا تتوافر إلا عند قلة من المخرجين من نوع الإيطالي "ميغيل أنجلو أنتونيوني" واليوناني "ثيو آنغلوبوليس"، حيث التأمل الصامت والهدوء والعفوية في الأداء والتقشف في الإنتاج والعناية القصوى باللغة السينمائية التي تحتل فيها - الصورة - المكانة الأعلى في التعبير عن المشاعر والأفكار.. وقد بلغ من شدة تأثير أسلوب "بيرسون" البصري أن أصبح ملهماً لسينمائيين عظام مثل الروسي "أندريه تاركوفسكي". يستغل "بريسون" في فيلمه (موشيت - Mouchette) الصورة أقصى استغلال ويجعلها انعكاساً صادقاً لمشاعر فتاة صغيرة تقف أمام واقع محبط وقاس ينتهك براءتها.. يبدأ الفيلم بمقدمة بصرية صامتة لا مكان فيها للحوار تتابع مجموعة من الصيادين يترقبون وقوع طيور الحجل في أفخاخهم التي نصبوها في غابة تقع على ضفاف قرية فرنسية.. هذه المقدمة البسيطة وإنما هي صياغة عقلية مجردة تختصر حكاية الفتاة "موشيت" اختصاراً بليغاً، فالرابط الذي يجمع بين اصطياد الطيور في بداية الفيلم وبين مأساة الفتاة التي سنراها في المشاهد اللاحقة هو رابط عقلي مجرد يقول إن هذه الفتاة البريئة هي مثل ذلك الطائر الذي يتربص به الصيادون.
يضع "بريسون" مقدمته هذه بلا علاقة مباشرة بما سيليها ليقوم بعد ذلك بالغوص في حكاية فتاته "موشيت".. و"موشيت" هذه هي فتاة فقيرة تعيش حياة بائسة مع أمها التي تحتضر ومع أخيها الصغير الذي يحتاج عناية خاصة، لكن الذئاب البشرية - أو الصيادين بحسب المقدمة - لا تتركها في حالها بل تحاصرها بالنوايا الخبيثة وتنتظر أقل فرصة لكي تنقض على هذه الفتاة البريئة وتستغلها أبشع استغلال، فهذا ذئب يتحرش فيها وذاك يخضعها لشهادة زور في جريمة قتل، وهي تنتقل بين هذا وذاك بسذاجة ساحرة تشبه سذاجة الطير قبل الوقوع في الفخ.. وبفضل هذه السذاجة، وبفضل العفوية الصادقة التي طبعت ملامح الممثلين، حقق الفيلم جائزة أفضل فيلم في مهرجان البندقية السينمائي عام 1967م كما نال ترشيحاً للسعفة الذهبية في نفس السنة.