أدرك أن صنع فيلم سينمائي أمر يحتاج لميزانية ضخمة قد تحسب بالملايين، وهنا تكمن مشكلتي الأولى.. أنا مفلس تماماً. أنا الآن في عام 1992م ويجب أن أقوم بعمل فيلمي الأول بأسرع ما يمكن مهما كلف الأمر. أكرر: "مهما كلف الأمر".
كتبت فكرة لفيلم أسميته (إل مارياتشي El Mariachi) حول عازف جيتار مكسيكي يمر على قرية صغيرة تقوم فيها عصابة محلية بمحاولة قتله ظانين أنه مجرم معروف يبحثون عنه. كنت قد وضعت في الحسبان أنه يجب ألا تتجاوز ميزانيته بضعة آلاف من الدولارات. واستطعت رغم حيوية النص وكثرة مشاهد القتال والعنف فيه أن أصل لميزانية متوقعة هي 9آلاف دولار فقط. لكنني قررت أن أصور كل مشهد مرة واحدة فقط لتوفير خام الفيلم لمعرفتي بأن معظم الميزانية سيتم صرفه على الكاميرا المستأجرة وعلى شراء خام الفيلم، بهذه الطريقة ربما أستطيع خفض المبلغ إلى 7آلاف دولار فقط.
ولأني لم أستطع سوى جمع ما يقارب الأربعة آلاف دولار فقط، فقد لجأت في سبيل جلب بقية المبلغ ( 3آلاف دولار) لأن أكون فأر تجارب في معمل لشركة أدوية يقوم باستخدام جسدي لتجربة عقار جديد لخفض الكوليسترول!. وعلى مدى شهر كامل وأيامه الثلاثين كنت مسجوناً في أحد المعامل لألتهم حبوب العقار كل يوم معرضاً نفسي وعقلي للخطر من أجل المائة دولار التي تصلني في نهاية كل يوم!. رغم ذلك، كان الحبس فرصة لي لأتفرغ تماما لكتابة السيناريو المفصل والتفكير بكل دقائق العمل.
لم أرسم قصة مصورة (ستوري بورد) للفيلم لأنه لا يوجد شخص آخر في طاقم العمل لأريه إياها! فأنا وحدي أمثل جميع طاقم الفيلم!. كنت المنتج والمخرج والكاتب والمصور وفني الصوت والإضاءة ولولا أنه لا يوجد شخص آخر لحمل الكاميرا لكنت مثلت الفيلم بنفسي!. بدأنا التصوير في موقع واحد لأنني لم أكن أملك مال وقود السيارات للتنقل لأماكن أخرى، واستخدمت في مشاهد الكاميرا المتحركة كرسياً للمعاقين كان مكسوراً فأخذ يتأرجح بي يمنة ويسرة خلال اللقطات السريعة. أما المسدسات التي أمسك بها الممثلون فلم تكن سوى مسدسات مائية كالتي يشتريها الأطفال في أيام العيد، فقط عدد ضئيل جداً كان حقيقياً من تلك الأسلحة وقد تمت استعارتها من مركز الشرطة القريب منا والذي أرسل معنا شرطياً طوال تصوير اللقطات ليتأكد من عدم ضياع تلك الأسلحة!
معظم الممثلين شاركوا بالمجان دعما للمشروع أو حبا في الظهور أمام الكاميرا كما فعل مراسلين صحفيين أكثرا من الأحاديث السلبية حول الفيلم فاضطررت أن أظهرهما في لقطات جانبية ليتوقفا عن ذلك، ونجحت الخطة!
كنت قد سجلت الصوت على (مسجلة كاسيت) عادية ظاناً أن الفيلم سيذهب مباشرة لسوق الفيديو كغيره من أفلام العصابات المكسيكية الرخيصة، لكنني فوجئت بنتائج الفيلم المشجعة في عدد من المهرجانات، حيث حصد جوائز لا بأس بها لي كمخرج وللفيلم خصوصاً تلك الجوائز الخاصة بالجمهور، وهذا السبب ربما هو الذي دعا شركة كولومبيا الشهيرة لإبداء رغبتها في إطلاق الفيلم في صالات السينما.
كما أخبرتكم، كلف الفيلم ما يقارب السبعة آلاف دولار فقط، لكن كولومبيا دفعت أكثر من مليون دولار في تعديلات تقنية عليه ليصبح جاهزاً للعرض السينمائي بمعاييرهم هم!. نجح الفيلم تجارياً وشجع هذا كولومبيا على طرح نسخة مدبلجة للإنجليزية غير تلك الأصلية المترجمة للإنجليزية من اللغة الأسبانية الأصلية لللفيلم، كلفت عملية إضافة الصوت فيها أكثر من ميزانية الفيلم الأصلي!. هنا أمران قد لا يعلمهما الكثيرون منكم، أولهما هو أنني صنعت الفيلم لأتدرب فقط على إخراج أفلام طويلة!. وثانيهما أنني لو لم أدفع تكاليف الكاميرا وملحقاتها في البداية لما تجاوزت ميزانية الفيلم كاملة حاجز الستمائة دولار فقط ( 2250ريال).