يحتفل العالم في 21مارس من كل عام بالشعر، وهو احتفال يوقظ ذاكرتنا الجماعية في زمن عولمة قيم الاستهلاك، يوقظنا لتعرية بلازماتها للإنشاد الشعري والانصات للشعر وقراءته، كأن يعود ليتمه.
ونحن الآخرين ندفع خيالنا للالتقاء به في زحمة اليومي لنقول: تحية لكل الشعراء، تحية لدفء الاستعارة ونبيذ المجاز، تحية للقادمين من قلاع المنافي، ومن مستودعات الموتى، تحية للشعراء الذين نحبهم رغم انفلاتهم من شوارع المعنى، تحية لهم لأنهم يغسلوننا بحروف تتناسل عبر تاريخ الاستعارة، تحية للذين سجنوا في الماضي على قصائدهم وعلى حناجرهم الملتهبة بحريق المرحلة، تحية لشاعر لا يدعي، تحية لكل الحساسيات رغم الافراط في حساسية الاسم الشخصي وكأن ما تبقى يؤسسه الشعراء.
كم يلزمنا من وقت نعيد فيه للشعر حيويته عبر إنشاده وقراءته؟ كم من وقت يلزمنا لإعادة الشعر في مؤسساتنا التربوية؟ وأي مهر ندفعه للشعراء كي يعيدوا لنا هذا العشق الذي فقدناه في اليومي؟ وكأن اللغة الشعرية عبر بحثها في القديم وإعادة غرس حدائق الاستعارة احتفال جماعي بعرس الشعر.
حضر الشاعر
قال الشاعر
مات الشاعر
@@@
لنتذكر في هذا اليوم شعراء رتقوا فضاءنا بألوان قزحية لنستدع عبدالله راجع وأحمد المجاطي والجوماري وبركات وخير الدين وآخرين لكي ننساهم ونلفهم بقماط النسيان كي نرتاح في موتهم ولنستدع عناوين الدواوين الشعرية في مرحلة السبعينات من القرن الماضي لتكون فلاحة الشعر ممكنة، أي عبر دعوة تيمات المرحلة كسند في تحرير الخيال من أسر السلطات التي تحاصره وان كانت في تلك القصيدة جمالية مرحلتها وصدق دوالها والبحث عن أطيافها والاحتفال ببياناتها وغسل القصيدة بالايديولوجيا عبر تأثيث الوطن وإعادة القراءة في بوصلة النضال ضد كل شيء قائم والسفر في التاريخ عبر كشف الأسماء وتذويبها في الكلمات والبحث عن التفرد الشعري بالحفر في إعطاء الخصوصية معنى، عبر التحرر من سلطة الشرق وتأسيس أرخبيلات للشعر على طول وعرض الوطن وغير ذلك من أمور أسسها الشعراء في مرحلة تربيتنا على مؤانسة الشعر وحضور اللقاءات الشعرية.
لكننا اليوم نعيش ظاهرة عجيبة عجب المرحلة الجديدة في المغرب، أعني توبة بعض الشعراء من ماضيهم الشعري وبدون تلفيق ولا إفساد احتفال الشعراء بيومهم العالمي. أقول - دون ذكر هذا الاسم أو ذاك - إنهم خذلونا.
خذلوا حبنا بقصائدهم الأولى، خذلوا تربيتهم لنا في زمن رقابة الخفافيش. لكن ماذا يعني أن يعبِّر هذا الشاعر أو ذاك أن قصائده الأولى لا تعنيه في شيء بل أكثر من ذلك أنها لصيقة به تفسد مضجعه الآن؟ كيف نفهم هذه التوبة المتأخرة؟ وهل يليق بالشاعر أن ينسل من ماضيه الشعري المؤجج بالخطابة والثورة بهذه البساطة؟ هل نبهه شيطان الشعر وقال ذلك خلسة منه؟ أم أننا نضع هذه التوبة بين قوسين ونمضي لنعيد للشاعر مرآة طفولته؟ لو كان هذا الكلام - كلام التوبة - كلاماً خاصاً لما أثرنا هذا في هذه المزحة ولكن هذا الشاعر أو ذاك عبَّر عنه في لقائه مع الجمهور أو عبر الصحافة. لنقل بنوع من التعسف من ذواتنا أن ما قاله هذا الشاعر أو ذاك ليس الا فلتة لسان او زلة قلم، ونمضي مسرعين لنلوح الى كل الشعراء بالتحية والحب.