يقدم لنا د. كرم الحلو كتابه "الفكر الليبرالي عند فرنسيس المراش (1836-1874) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية سلسلة اطروحات الدكتوراه -وهو كما نعرف من المصلحين العرب في بداية القرن العشرين، سوري الجنسية من مدينة حلب في الشمال السوري- والذي قدمه له الدكتور ناصيف نصار مشيراً الى أن هذه الأسئلة ترافق كل ناظر في الكتابات العربية التراثية العربية، وكل متأمل في طروحاتها ومجادلاتها. إلا أن الفائدة منها لا تبلغ مداها الأقصى إلا على أساس التمييز بين الدراسة العلمية للتراث بكليته التاريخية أو بأجزائه وقطاعاته ضمن مساراتها التاريخية، وبين التوظيف الإيجابي للتراث من حيث هو قادر على الثبات في متحرك الحياة، وعلى الإسهام بدرجة أو بأخرى في حل مشكلاتها. أقول التمييز بين الدراسة العلمية والتوصيف الإيجابي، لأن المسألة منهجية ومشروعة، والفصل مستحيل.
ينتمي فرنسيس المراش الى عائلة عريقة في الآداب والعلوم، حتى ان فيليب طرازي اعتبر آل مراش في منزلة اليازجيين والبساتنة في لبنان والديار الشامية، ولد عام 1836وأصيب في الرابعة من عمره بداء الحصبة الذي خلف في جسده من الآثار ما نغص عليه حياته كلها وأوهن قواه وأعل بصره، وأسقم نظرته الى العالم فغلب عليه التشاؤم في أكثر اثاره. تعلم في حلب وانكب على خزانة والده يطالع ما فيها من مصنفات أدبية وشعرية وتراثية فكتب الشعر والرواية والقصة، ثم عكف على طلب العلوم الطبيعية والاجتماعية والفلسفية والدين، أتقن الفرنسية والايطالية وتحول بعدئذ لدراسة الطب لمدة أربع سنوات ومارس الطبابة بعدها لمدة سنة ثم سافر الى باريس لمتابعة دراسة الطب. سكن المراش في الحي اللاتيني وكان في البداية طالباً نشطاً، لكن اغراءات باريس ما لبثت ان جذبته، فاعتراه انحطاط في قواه، وهو السقيم منذ طفولته، وأصيب بشلل في اعصاب بصره اعاقه عن متابعة دراسته والتقدم الى الامتحان. فعاد الى وطنه ليتفرغ للتصنيف رغماً عما اصابه من ضعف البصر. ثم ما لبث ان فقده تماماً في العامين الاخيرين من حياته القصيرة، وتوفي عام 1874.الف كتباً كثيرة وخصوصاً في الفلسفة بلغت عشرة مؤلفات في العلوم والرواية وأدب الرحلة والشعر القصصي والشعر بشكل عام.
ولتقييم شامل لدور المراش وموقعه الفكري العربي، يمكن القول إنه يمثل محطة اساسية ومهمة في الفكر العربي الحديث، فيما هو يتأهل للخروج من ظلامية القرون الوسطى الى انوار الحداثة. ما يضعه في طليعة المؤسسين لحقوق الانسان السياسية والاجتماعية في الفكر العربي، وقبل صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948بأكثر من ثلاثة ارباع القرن فقد كان:
1- أول نهضوي يؤسس فكره السياسي والاجتماعي والديني على الحرية الادبية واول من اهتم في الفكر العربي الحديث، بوضع الحرية في اطار فلسفي وتبين اصلها وامكانها ومداها في الطبيعة والمجتمع الانساني.
2- رائد الرواية العربية الاجتماعية الفلسفية، والممهد للفن الروائي العربي.
3- أول منوّر عربي يعيد صياغة وانتاج افكار روسو في المساواة والحرية الادبية والتعاقدية في الفكر العربي.
4- أول كاتب عربي يدين الرق ادانة مطلقة على أساس "الحق الطبيعي".
5- اول من أطلق صفة التوحش بمدنية الغرب وفي انحراف الغرب عن قيمه الانسانية.
وكان في كثير من مواقفه يدين التعرض من قبل السلطات أو غيرها للمثقف العربي والالحاح على حريته في الكتابة والتعبير والتأليف.
لقد كان المراش دائماً ابن العصر... كأنه بيننا الآن ونحن في العام