الوسيط.. والواسطة!!
قلنا إن سبب هزائمنا العسكرية هوعدم وجود قراءة متميزة للعدو، ورأينا أن ثقافتنا متدنية إذ سجلنا أقل المعدلات بين شعوب العالم في النشر والترجمة والقراءة، وقد اعتقدنا أن التأميم لعدة مصانع بدائية، وسحب أراض من مُلاكها، وإحالة إدارة الصناعات لأعضاء الحزب أو جنرالات الجيش أفشل مشروع الصناعة المتطورة، وأن توزيع الأراضي كحيازات صغيرة على الفلاحين كملاك، ثم التحكم بإنتاجهم وبيعه على الدولة أفشل قضية الانتصار لهم ضد الإقطاع والاحتكاريين..
وحتى في المنهجية الفكرية، إن وجدت، تحولنا إلى أصداء للاشتراكية الشيوعية باسم الاشتراكية العربية، بينما لا يوجد من يفهم الفاصل بين اشتراكية علمية، وأخرى مولّدة منها بشكل ساذج وكما قال مفكر عربي "إن الهمجية لا تهزم العلم" فقد انكشفنا في مواقع كثيرة، من أننا لا نعرف كيف نقف "بطابور" الجوازات والهاتف وقطع التذاكر، لأننا ملولون لا نحترم حق صاحب الأولوية بحقه، بينما هذا سلوك عام عند الشعوب المتقدمة..
أما في السياسة فقد تساوينا بالكوارث، هناك من زعم أنه الثوري محقق الوحدة والنضال القومي، فأرسل من ينظم العسكر، أو يدخل بعضوية الأحزاب في قلب الأنظمة، وتحقيق الديمقراطية الوطنية، ولكن بأساليب زوار الفجر والسجانين وخلق طبقة "أروستقراطية" تماثل تماماً أعضاء اللجان المركزية ومَن خلفها في الاتحاد السوفياتي الذين تحولوا أباطرة مثل عائلة "رومانوف" التي أعدمها لينين، فكانت زعاماتنا العربية إذاعية تواصلية مع تأجيج العواطف والثارات، ولكنها بالناتج الاقتصادي والسياسي تشبه أصفار سعد زعلول، وقد حازت على كل الامتيازات بمبدأ الخدعة الوطنية..
الغريب أن سلامنا، ومصالحاتنا، وحتى خلافاتنا وحروبنا، تتم بطرف أجنبي غريب، ومثلما كان العرب فرحين بانتصارات هتلر على الدول الاستعمارية، كنوع من ثأر لم نشارك به، خُدعنا بمساعدة بريطانيا بطرد الأتراك لنحمل وزر عملنا بمشروع التقسيم الشهير "سايكس - بيكو" الذي هو مَن رسم الحدود وأسّس الدول وفق مشيئته ومصالحه..
وفي أيامنا الراهنة ننتظر على أبواب البيت الأبيض كي يفسح لنا بزيارة نشرح فيها أحوالنا وضرورات السلام، ومكافحة الإرهاب، مع أن المصادر الأمريكية تقول إن من نقابلهم من العرب يختلفون في طرح أفكارهم الحقيقية عن شعاراتهم حول تحرير فلسطين، والمصير العربي، إذ كل ممثل يتكلم بلسان مختلف، وآراء تعارض الكثير مما نعتبره مسلّمات ثابتة عندهم..
وأيضاً علينا شُكر وسطاء يريدون النفاذ إلى "نفّاثي العُقد" في حياتنا ليتعايش الشيعة مع السنة، وأبناء الإقليم الواحد مع بعضهم، وفتح باب الحوار للسلام مع إسرائيل، وحتى البعوث الدولية في حل إشكال الصحراء الغربية، والجزر المتنازع عليها مع إيران، وحلحلة الوضع الصومالي، يتفاوضون مع الوسطاء، لكن ليس لديهم مواجهة مع الخصوم المفترضين من أبناء أمتهم وغيرها، بعقل واثق يملك المبررات والحجج ويشكر الوسطاء، ولكن لا يجعلهم الشحنة الكهربائية القادرة على تحريك الخلايا النائمة لتكون مستعدة لفهم الطرف الآخر..
الشجاعة المعدومة هي الشعار، وقد خسرنا الكثير، وعجزنا عن أن نكسب القليل والأسباب كثيرة والفعل واحد..