كانت مجالس الحي منتديات ثقافية يرتادها الكبار والصغار، كل منهم يأخذ مكانه المناسب من المجلس، وكانت مجالس الأعيان تتميز بالسماح للنساء بحضور هذه المنتديات من خلال اماكن مخصصة لهن تطل من علو مجالس الرجال، بحيث يسمعن ما يدور في المجلس ولا يراهن الرجال، هذا في منتديات الليل وهي احفل بالاحاديث والمسامرات وطرح القضايا العامة، أما في النهار فإن المجالس لا يرتادها إلا قليل من الرجال أصحاب القضايا الطارئة أو الضيوف القادمين من خارج الحي وقليل ما هم، ومازال مجلس الشيخ ابن جزا الاحمدي ماثلاً بقسميه الرجال والنسائي، وكان بعض النساء يحفظن من الشعر كثيرة وعن الاحداث اطرافاً منها، فيطلب منهن المشاركة للتذكير بما لا يتذكره الجلاس من ذلك.
وكانت الاحداث المثارة يتناقلها الناس لاهتمامهم بردود الفعل وما يتلو ذلك من صدى لدى من يهمهم الأمر، وقد حدث أن قال دخيل الله احد شيوخ القضاة من جهينة: "إن الجمال في نساء جهينة، أما حرب فليس في نسائهم جمال"، وانتقلت هذه العبارة العابرة حتى بلغت أحد شعراء الاحامدة من حرب فاعترض على هذه المقولة بقصيدة دعابية، عبر فيها عن جزعه، مجسداً ذلك تجسيداً إعلامياً بعظم الحدث، ومستنكراً مقولة الشيخ، فاستهل القصيدة قائلاً:
قال الحساني فوق راس الطويلة
في مرقب عالي عن المرقبات
الليلة امسى القلب فاقد دليله
واقلبي اللي راح مني شتات
صاح الحمام ولج كل القبيلة
العزوة اللي تنقل المثمنات
يبكي طنا، دمعه ماشلا هليله
هز الجبال الشمخ الراسيات
يشكي دخيل الله وينكر فصيله
نجم السما طايح على المورشات
ثم يصف الراحلة التي تنقل استنكاره الى الشيخ مادحاً كرمه وشجاعته، ويحييه تحية خاصة ويصف جسامة مقولة الشيخ ومخالفتها للواقع المتمثل في كون نساء الاحامدة كالنجوم الزاهرة ومصونات عن كل عيب، ثم يطلب منه العدول والاعتذار عن مقولته، آملاً منه عدم الاستمرار في اطلاق هذا الرأي فيقول:
وياراكبا حمرا تدل الدليلة
في يوم راحت سوق مكة وجات
تنصى دخيل الله عقيد الدبيلة
الضيغم اللي يرفع المجهمات
البن في المحماس دايم يهيله
لاهو نيا حمسه ولا محروقا
والهيل والمسمار زايد فضيله
ومكلفه وشروطها كاملات
وكم منسف بين اربعة جا يشيله
وايضا غطاه بطيب المسمنات
خصه برده واخبره بالجليله
والناس ما تدري عن الخافيات
عن الذي مثل النجوم الطليله
خلوق مخلوقات في مصندقات
وقل له: يقيل الفصل والا يزيله
والا تراه تروح روحه شمات
عن قوله اللي في قال في ابو جديله
ابو ثمان رموق متوازنات
ويسترسل في وصف جمال نساء حرب بمعايير الجمال الرفيعة كما يتضح من الابيات ثم يزيد فيؤكد ان مقولة الشيخ كمن يصرف السيل بأنه يتجه صعوداً. وعندما بلغت القصيدة الشيخ سر بها ودعا الشاعر لزيارته وافاض في تكريمه ومكافأته، فلم تكن القصيدة سوى مداعبة ادبية:
ابو عيون ساهيات عسيلة
هن يحسبن كسلى وهن ناصحات
خيطان بردى فوق حاجي الشهيلة
اللي على جال الروا ناعمات
والخد ياضي مثل برق المخيلة
يوم ان صف مزونها راكمات
انا دخيل الله ينجى دخيله
أول دخيل الله وثم القضاة
عن الذي سيله مقبل مسيله
عن المعارج ياخذ المنحيات
اللي بقفو الصاع حبه يكيله
وهو يعرف الصوب والمخطيات
وهذا ما حدث وفي كل من نساء العرب خير، ولكن الشعراء بل الرجال بعامة يستعذبون الحديث في جمال النساء، والحق ان النفس وما تهوى معيار فاصل في الاجمل.
ومداعبات الاعيان للشعراء والاحتفاء بهم مما كان سائداً في مجتمعات القرية والمدينة والبادية، فإلى جانب الابداع الشعري كان الشعراء يروون القصص والاشعار ويشعلون المجالس بالحواريات والمرويات التي يستمتع بها الجلاس في منتدياتهم والنساء من وراء الحجب، ومما يروى ان احد أمراء ينبع فيما قبل العهد السعودي الزاهر وكان من الاشراف استضاف رجلا من البادية فاستحسن حديثه، ثم تكررت زيارات الرجل له، وكانا يتبادلان الهدايا هذا يقدم السمن والزبد والاقط والعسل، والأمير يقدم التمر والأرز والأقمشة ونحوها مما لا يوجد في البادية، وانتهى الأمر ان تزوج الشريف كبرى بنات البدوي وعندما تقدمت بها السن وبدت ملامح اختها التي تليها تفوق الزوجة جمالاً طلقها وتزوج الاخت، وعندما حان قطاف الاخت الثالثة طلق الثانية وخطب الثالثة، ولم يمانع الاب أو الأم أو الاخوات، لأن معايير الزواج وكانت تختلف عنها اليوم، ولأن ظروف الحياة وقسوتها وثقافة الناس الاجتماعية كانت - ايضاً - غيرها اليوم.
وعندما دخل الرجل بالثالثة احسنت كل شيء في شؤون المنزل صنعاً، إلا أنها امتنعت عن فراش الزوجية، ورغم محاولاته لم يتمكن منها، واستمر ذلك حولاً كاملاً.
وفي ليلة ممطرة طرق الباب عابر سبيل فأدخل الى مجلس الضيوف، وكان قادماً من نواحي "الفقرة" تحمل إبله العسل والسمن والحبوب والاقط، خاف أن يتلفها المطر فلجأ إلى هذه الدار العامرة، وكان هذا العابر سبيل أو الضيف شاعراً ذائع الصيت لطيف المعشر، والاعيان يحبون الشعراء لما يضيفون الى المجالس من حيوية يعمرون بها ليل المجالس وينقلون عنها الكرم والحفاوة ومفاخر اصحابها، فما ان تعرف صاحب الدار على ضيفه حتى ربحب به واكرم وفادته، ثم سامره بعد ان غادر المجلس رواده، واسر إليه بأبيات يود سماع رأي الشاعر فيها، قال الشاعر: هاتها، فقال:
لي سيد انا احبه وماضي منه عند
ما ادري مكر والا طباع البداوة
وهو ملك لحيان واقفى على الهند
وارض اليمن والشام مع أرض جاوة
وهو بذلك يمتدح زوجته بعد أن اشار الى عنادها الذي يبرره بالدلال او الطبيعة البدوية:
قال الشاعر:
انت ارتجه مثل الذي يشعب الصمد
ويرجي الحيا من ناوة بعد ناوة
ان كان هي فلة تنثر من الورد
راح الغضب وانته عليك الرضاوة
وان كان هي عنده وظلت على العند
ما تنغذي جعلت لراسك فداوه
والزاد لو انه رمى به على الجمد
لو تاكله يا سيد ماله هناوه
ثم غادر الشريف المجلس، وعندما دخل على الزوجة قال لها: اسمعت كلام الشاعر؟ قالت: نعم، قال: ماذا؟ قالت: انا لن اجد خيراً منك ولكن كما تعلم فأختي الرابعة شارفت على سن الزوجية واقترب قطافها، واخشى ان يحصل منك ما حصل في الماضي، قال لها: اعدك بألا يحصل ما تخشين حدوثه، قالت: ادن المصحف والسيف واحلف بالله وعاهدني على صدق هذا القول، فعاهدها وامضيا ليلتهما سعيدين سعادة الأرض بذلك المطر الذي شهد انفراج ازمة دامت حولاً.
وفي الصباح طلبت من زوجها ادخال البضاعة التي ينوي الشاعر بيعها في سوق "ينبع" فأدخلت وامرت بأن يخرج من المخازن من المؤن والملابس ما تزيد قيمته عن قيمة بضاعة الشاعر وان يعطى مالاً من النقود، وعندما لم يجد الشاعر حاجة لمواصلة السير الى ينبع فكل ما كان يود الحصول عليه منها تحقق من هذه الليلة ذات المطر العميم فعاد إلى دياره.