د. محمد بن مفلح الدوسري
في بداية ظهور وانتشار التلفزيون في السعودية كانت النساء كبيرات السن يغطين وجوههن عند ظهور المذيع على الشاشة ظناً منهن انه يمكنه مشاهدتهن، وليس عليهن لوم في هذا فتلك التقنية كانت جديدة كلياً على مجتمعنا، لكن هذه النظرية البسيطة نحو تلك التقنية استمرت لدى عدد ليس بالقليل منا رغم التطور الحضاري والثقافي الذي نحظى به.في منتصف التسعينات الميلادية ظهرت المسلسلات المكسيكية المدبلجة إلى العربية في الفضائيات وأصبح لها رواج كبير ومشاهدة من قبل الجمهور وبشكل خاص المراهقين والشباب الذين تحمسوا لهذه المسلسلات واندمجوا معها وقلدوا شخصياتها، وأذكر أني في تلك الفترة كنت معلماً في أحد مناطق المملكة حيث حدثني أحد الزملاء ان اخته التي تدرس بالجامعة ذكرت له أن بعض الطالبات يقلدن بطلة أحد تلك المسلسلات في مشيتها العرجاء؟!! واليوم انتقل البعض إلى مرحلة أكثر سذاجة وهي مرحلة التأثر التام والاعتقاد بأن قصة المسلسل وصفات شخصياته وتصرفاتهم تنطبق بالفعل على تلك الشخصيات في حياتها العادية بل وتنطبق على المجتمع الذي ينتمي إليه المسلسل؟!!فقد ظهرت هذه الأيام مسلسلات تركية مدبلجة أصبحت تشغل حيزاً كبيراً من أوقات الناس وأحاديثهم وتفكيرهم.. والمستغرب ان الأمر لم يعد يقتصر على صغار السن بل والكبار ايضاً وهم الأحرى بأن يكونوا قد وصلوا إلى مرحلة من النضج العقلي وثبات الشخصية بحيث يصعب التأثير عليهم.. فبمسلسلين تركيين سمى 500مواطن أبناءهم باسم بطلة أحد المسلسلات و 200من أبنائهم باسم البطل وعدلت 200فتاة أسماءهن إلى اسم البطلة وتوجه 70% من سياح الخارج السعوديون إلى تركيا هذه السنة!!؟ لقد أبطل هؤلاء بهذا نظرية المفكر والعالم المسلم ابن خلدون الذي قال: "ان المغلوب يتبع الغالب" وتسري هذه النظرية على الشعوب فالشعب المغلوب في المجال الثقافي أو العسكري أو الاقتصادي يتبع ويتأثر بالشعب المتفوق عليه في تلك المجالات.
الحاصل لدينا اليوم ان النظرية حدثت بشكل عكسي.. فبلادنا اليوم هي قبلة العالم الإسلامي وقائدته وموجهته بلا منازع وهي قائدة الدعوة الإسلامية في العالم حيث لا تجد نشاطاً دعوياً إسلامياً صحيحاً في أي جزء من العالم إلا وبلادنا طرف رئيس فيه.. ولا تدخل مسجداً في أمريكا أو كندا أو أووبيا أو أي دولة إلا وتجد على الأرفف المصحف الشريف طباعة مركز الملك فهد - رحمه الله - وبتفسير مترجم إلى عدة لغات.. بل ان لبلادنا احترام ومواقف قيادية على المستوى العالمي وآخرها اجتماع من في الشرق والغرب في مدريد لحوار الحضارات والأديان استجابة لدعوة خادم الحرمين الشريفين.. كما أن لبلادنا تأثير اقتصادي كبير على العالم أجمع فهي المنتج الأول للبترول وقود التقنية ومحرك الاقتصاد.. كما أنها تشهد تطوراً هائلاً متسارعاً في جميع المجالات.. وبعد كل هذا نجد هذا التأثير الكبير لمسلسل تركي على نسبة كبيرة منا؟!!
أليس من الأحرى بمن ينتمي لمثل هذا البلد العظيم أن يفخر بهويته وتاريخه، فما لدينا لا يوجد عند غيرنا بل ان غيرنا يتمناه وقد التقيت بأحد رجال الأعمال من أحد الجنسيات العربية ممن يحملون الجنسية الأمريكية وعندما عرف أني سعودي قال بالحرف الواحد: "أنا مستعد للتخلي عن جوازي وجنسيتي الأمريكية مقابل جنسيتك" وغيره الكثير. إن هذا التأثير الكبير لمسلسلين تركيين على شريحة الشباب والراشدين منا يعتبر حالة مقلقة تشير إلى ان الكثيرين يحملون داخل رؤوسهم أوراقاً بيضاء تنتظر أيا كان ليكتب فيها ما يريد.. والفضاء اليوم مفتوح بقنواته ويصعب السيطرة على ما يبث فيه.. وإن كان عائق التأثر لدى البعض اختلاف اللغة فقط!
@ رائد النشاط الثقافي بكلية التربية
جامعة الملك سعود