المورد العذب كثير الزحام. فبعد ان اكتملت هالة المشروعية الوطنية وليس الشرعية المدنية فقط، لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الجديدة، سواء بسعة تمثيليتها لمجمل فعاليات الحياة السياسية اللبنانية، أو بكفاءة افرادها، شعر آخر لبناني، اياً كانت منطقته أو طائفته أو حزبيته، بأن الديموقراطية عادت لتعمل في لبنان، بكل رحابة صدر وشعور بالمسؤولية.
لا ديموقراطية بغير سماح، خصوصاً في اعقاب الازمات، ولا لبنانية حقة بدون قبول اللبناني الآخر: رسالتان بعث بهما رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى كل لبناني وعربي، في الوقت الذي كان فيه رئيس الجمهورية والبلاد العماد ميشال سليمان يزور فرنسا مخاطباً العالم كتفاً إلى كتف مع الرئيس ساركوزي، بأن لبنان التاريخي الاصيل والغيور على صداقاته غيرته على المبادئ، لا يزال هو هو الشرقي الغربي، العربي الطليعي، المتمسك دائماً بالتقدم والتطور.
لقد عرف لبنان الجديد جيداً عبر تجاربه الغنية، ان ما من محنة الا وهي تحمل في طياتها منحة. فأيام المخاض العسير لم تكن بنتائجها عليه كما كان قد أرادها اهل التعسير والتعطيل ان تكون شللاً في الجسد الوطني اللبناني، معطلاً للوطن المتقدم، بل ها هو عاد على العكس تماماً، متمسكاً بالمجرب من قيمه التي جعلته في ماضيه وحاضره زينة الاوطان.
رُمي لبنان لأزمنة طويلة بالانعزال والانعزالية، بمعنى رغبته بالانفراد في سياسته الخارجية عن العرب، وكان هذا الكلام يقال في لهجة تشكيك بصدقه في مماشاة الحركة العربية الهادفة لطرد الاجنبي من ارض العرب، ولاسيما الاجنبي الاستعماري. وقيل في لومه، وهو المتحمس الاول لنهضة المنطقة، بأنه يدعو غيره من العرب إلى الالتزام بمبدأ "سيروا سير أضعفكم" السائد في أعراف القوافل، حيث اوصت حكمة الدهور عابري الصحارى بعدم التعجل، حفاظاً على وحدة الركب المسافر.
يذكر صاحب هذا المقال انه دعي في اوائل الالفية الثانية (2001) إلى حضور "مؤتمر الدوحة حول الديموقراطية والتجارة" الذي شارك فيه حضور ثقافي اقتصادي وسياسي لافت ومميز في العاصمة القطرية، وكان بين المشاركين امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، وكانت غالبية الحضور من المثقفين اللبنانيين وغير اللبنانيين، بعضهم من هو آت من لبنان إلى قطر مباشرة، والكثير منهم مثقفون لبنانيون يعيشون في فرنسا، مضافاً اليهم اساتذة فرنسيون ومستشرقون مهتمون بالاوضاع اللبنانية. لا شك ان كثيرين ممن شاركوا في ذلك المؤتمر اللافت في زمانه لا يزالون يذكرون التعاطف البادي في كل وقائع ذلك المؤتمر نحو لبنان وديموقراطيته، مع الاهتمام الجدي بمشاكل هذه الديموقراطية وحاجاتها.
كان حب لبنان واضحاً عند كل الذين شاركوا في المؤتمر، وعند الذين هيأوا له، وأهم من الحب، الرغبة في المزيد من التعرف والاستعداد للمساعدة. وذلك من قبل المبادرة القطرية الاخيرة لانقاذ لبنان بزمن بعيد.
كل من كانوا هناك من اللبنانيين عادوا مقدرين لكل المشاركين في وقائع ذلك المؤتمر غيرتهم على لبنان ورغبتهم بأن تنجح ديموقراطيته، ما دام هو قد اختارها، فهم لا يريدون له الا ما يريده هو لنفسه. لم يكن جميع اللبنانيين الذين ذهبوا إلى تلك الاحتفالات في قطر عام 2001ممن كانوا قد عرفوا قطر من قبل، وكاتب هذا المقال منهم. ولكن الانطباع الذي اخذوه من اللحظة الاولى لوصولهم، هو ان القطريين هم مع لبنان، وهم مع نظامه ما دام هو اختار هذا النظام. ولكن ما يريدونه له ومنه هو ان يدرس نفسه جيداً وخطواته، فقد دعوا إلى المؤتمر كبار المستشرقين الفرنسيين خاصة، ليقول هؤلاء رأيهم في الديموقراطية اللبنانية؛ حسناتها وكيفية تدارك اخطائها، اذا كانت لها اخطاء.
إن من واجب العربي أن يدعم العربي الآخر في النظام الذي يريده لنفسه، وان يعمل على تزويده بآراء كبار المفكرين المتجردين في العالم، فيأخذ من آرائهم ما يفيده ويتخلى عما لا يرى فيه خيراً. وهذا ما فعله القطريون عندما دعوا إذ ذاك طلائع من اللبنانيين ليدلوا بآرائهم، ودعوا معهم مستشرقين واساتذة جامعيين يدلون برأيهم في شؤون لبنان.
كان أبرز ما لفت النظر في ذلك المهرجان الفكري السياسي، المتابعة القطرية الرسمية والاهلية لحال الديموقراطية في العالم العربي، والصلة الخاصة التي تستشعرها قطر إزاء ثالوث لبنان ومصر وفرنسا.
ما رأي الغربيين من اصدقاء العرب بمستقبل الديموقراطية في هذا الجزء من العالم؟ هل هو يبشر بالخير؟ وما الرأي في النماذج العربية من الديموقراطية عند المفكرين العرب انفسهم، أو عند اصدقاء العرب في الخارج من المتابعين لشؤونهم؟
منذ ذلك الوقت شعر بعض اللبنانيين من المدعوين للمؤتمر، ومنهم صاحب هذا المقال، التفات اصدقاء العرب من الغربيين وعلى التحديد اهل الثقافة منهم، إلى احوال الشأن الديموقراطي في هذا الجزء العربي الاسلامي المسيحي من العالم الذي اسمه لبنان ومصر، وهو ثنائي لعب، سواء في لبنان أو في مصر، دوراً خاصاً وريادياً في نهضة المنطقة، وعاش النجاحات والعذابات، وهو يستنسخ المفاهيم الاكثر انتشاراً في البلدان الغربية والأحوج، والله أعلم، إلى التعديل قبل التطبيق في اكثر البلدان العربية. وقد يكون لبنان اليوم على حماسته لاعتماد الديموقراطية الحقة في نظامه، اكثر البلدان العربية فضولاً لسماع ما عند العالم المتقدم، وعلى الاخص الاخ العربي، من الملاحظات المفيدة لاستمرار تجربته السياسية الديموقراطية.
كانت الديموقراطية اللبنانية في عرسها الباريسي الاخير، بسليمانها وسنيورتها وباقي العائلة، عروس الشرق المدللة في العاصمة الغربية، فكل من حولها من الفرنسيين والاوروبيين والاميركيين وعرب المغرب والمشرق، محب غيور. وقد تذكر البعض بالمناسبة ذلك المؤتمر الرائد الذي عقد في الدوحة عام 2001، ولعله هو ما اعطى قطر دوراً خاصاً تلعبه اليوم بجدارة إلى جانب فرنسا وغيرها، وعينها مسمّرة على لبنان وقياته.
ليس صحيحاً بالمطلق قول القائلين إن لكل زمان دولة ورجالاً، وحتى الرسل والانبياء لم يقطعوا دائماً بأنهم وحدهم اهل النصيحة والصواب، فقد سئل الرسول العربي بعد انطلاق الدعوة واستقرارها بمدة: من خيارنا يا رسول الله، فأجاب: "خياركم في الجاهلية خياركم في الاسلام". ذلك انه حتى الرسالات والدعوات الكبرى في التاريخ لم تستطع دائماً ان تغير مفاهيم البشر وسلوكياتهم إلى الحد المتوقع من عامة الناس أو من قادتهم. وقد تنقلب الدنيا حول الافراد والجماعات وتتغير السلطات والقوانين الآمرة الناهية وتستمر الممارسات والمفاهيم على حالها وتبقى طرق السلوك والتعامل كما هي. وليست قليلة المرات التي رُمي فيها كبير أو عادي من الناس في اوج عز سلطة مؤمنة قادرة، بأنه امرؤ فيه جاهلية.
بل إن شاعراً انكليزياً شهيراً انشد مرة يقول: كم هو قليل ذلك القدر من معاناة البشر الذي تستطيع إرادات الملوك والسادات والقوانين التسبب به، أو شفاءه.
لقد كُتب للرئيس فؤاد السنيورة بعد استقرار الرئاسة الاولى للعماد ميشال سليمان، أن تتمكن توليفة حكومته الاخيرة من العبور إلى شاطئ الأمان، بعد مرحلة سادتها قاعدة كل لقمة بغصة. وكان آخر الغصات قبوله من موقع تأمين اللبنانية الجامعة، توزير رئيس الحزب السوري القومي السابق في لبنان السيد علي قانصوه عضواً في الحكومة، شافعاً هذا القبول بالتذكير بأن حكومته ملتزمة عن قناعة بأن تكون حكومة كل لبنان، هذا مع العلم ان السورية القومية هنا جزء من الكل اللبناني الجمعي، وليس في الامر ما يدعو إلى الابحار النظري البعيد في التوجس من العقائديات، وهو الذي كثيراً ما يتوه اصحابه. والسنيورة في ذلك بالعقائد خير العارفين.
إن لبنان ما كان قادراً أن يؤخر قيامته بأكثر مما فعل، بل كان عليه المبادرة إلى الأخذ بالمبدأ القائل: حيث خير الجماعة، فثمة شرع الله ودينه، وهو قول قال به الفقهاء وتبناه خاصة اللبنانيون، بعد الذي دفعوه غالياً من وحدتهم ونهضتهم نتيجية الدجل الذي تعامل به معهم اهل التشريق والتغريب على حد سواء، ولم ينجدهم الا الصادقون من قادة العرب؛ المصريون في معركتهم الاستقلالية عام 1943، والسعوديون في مؤتمر الطائف، والقطريون أخيراً لا آخراً في مؤتمر الدوحة، وكلها مواقف من اخوة، تعاملت فيها البلدان العربية مع لبنان كابن بار للعروبة، هي له وهو لها، على طريق الوحدة والاستقلال والتقدم. والغرب نفسه، ولاسيما فرنسا، احبت لبنان اكثر وقدرت حكمته اكثر ونصرته اكثر، عندما أتاها صديقاً وحليفاً كفتى أغر للعروبة، متجذّراً في حضارة العرب، عاملاً على نهضتهم، رافضاً للاستعمار، متمسكاً بالخيّر النافع من انتاج التقدم الغربي الضروري لخير الانسان العربي، والذي ازدادت ضرورته لهذه الأمة بقيام اسرائيل التي لم تلحق ضرراً بعد فلسطين بوطن عربي كما ألحقت وتلحق بلبنان.