د. عبدالله بن إبراهيم العسكر
الصندوق الدولي للتطوير والتعاون المعروف بالمختصر اللاتيني JCDF من أنشط المؤسسات في تايبيه. وهو اعتاد على تنظيم ورش عمل مختلفة تطال كل ما يتعلق بالمجتمع ومؤسسات المجتمع المدني. وقد قرأت أنه نظم أكثر من 28ورشة عمل خلال السنوات الثلاث الماضية.
لقد أعجبتني ورشة العمل التي شارك فيها خلال الأسبوعين الماضيين. وكان عنوان الورشة "ورشة عمل حول المجتمع والسياحة" لعدة أسباب منها: أن أغلب المشاركين من خارج تايوان وينتمون إلى بلاد صغيرة جداً لا نعرف عنها إلا اسمها مطبوعاً على الأطالس مثل جزيرة نارو Nauru التي لا تتجاوز مساحتها عشرين ألف متر مربع وهي مساحة تساوي مساحة حرم جامعة الملك سعود بالرياض، وعدد سكانها عشرة آلاف نسمة، وهي حديثة الاستقلال. ومثل بليز Belize التي لم أسمع بها قبل حضوري هذه الورشة وهي بلد حديث الاستقلال يقع بجوار جواتيمالا، أو كيريباتي Kiribati وعشرات من جمهوريات الموز الصغيرة في أمريكا الوسطى أو في البحر الكاريبي.
لقد سمعت عن السياحة وتوطينها في المجتمع ما لم أسمعه في كل ما قرأت عن السياحة. وكنت أقارن بين ما يحدث في بلدان عديدة من توجه رسمي وشعبي نحو السياحة والاعتراف بأهميتها أقارن كل ذلك بما يحدث في المملكة العربية السعودية.
ومما أعجبني التوجه الرسمي في تايوان ونقل صناعة السياحة المتطورة في تايوان إلى تلك البلاد. وهذا النقل يتم عن طريقين: الأول المساعدات المالية المباشرة التي تقدمها تايوان مباشرة إلى مؤسسات وقطاع السياحة في تلك الدول. والثاني المساعدة في بناء قاعدة سياحية صلبة يشارك فيها معظم مؤسسات المجتمع المدني. وقد قدم عدد من الأكاديميين الصينيين والعاملين في مؤسسات المجتمع المدني تجربة تايوان المتعلقة بتطوير القرى والنواحي لتخدم غرضين: الأول: إيجاد فرص عمل كثيرة. والثاني جعل تلك القرى والنواحي تعتمد على نفسها لا على الحكومة المركزية في تايبيه أو الحكومات المحلية.
لقد تم تقسيم تايوان إلى مناطق شبه مستقلة من أجل توفير فرص العمل، والحصول على موارد مالية ذاتية ومن ثم توظيف كل ذلك في قطاع السياحة الذي بدأ يدر على حكومات الأقاليم أموالاً طائلة. لاحظت ذلك أكثر في منطقة توايان Taoynanوهي منطقة يبلغ عدد سكانها مليونين فقط. ومع زمن استطاعت نواحيها المتعددة أن تفرض اسمها على خريطة السياحة في تايوان، بل واستطاعت أن تساعد مئات الأسر على العمل في صناعة منزلية بسيطة مستمدة من التراث الصيني، وأن تجد سوقاً رائجة لتلك الصناعات والحرف اليدوية.. رأيت مقدار تهافت السياح الأجانب على شراء تلك الحرف اليدوية وهذا مثال واحد من عشرات الأمثلة يوضح كيف استطاعت تايوان في غضون سنوات قليلة أن تجعل السياحة صناعة مجتمعية مستقلة، وأن تجعلها رافداً اقتصادياً في بلد يفتقر إلى الموارد الطبيعية.
لكن الأمر المهم في صناعة السياحة في تايوان هو جعل السياحة هدفاً مشتركاً لكل الوزارات الحكومية الصينية. وجعلها هدفاً لكل المؤسسات العامة ولمعظم الشركات والقطاع الخاص. والهدف هو أن يشارك كل هؤلاء في رسم واقتراح البرامج السياحية ومن ثم المشاركة في نقل تلك البرامج الى أرض الواقع مثال ذلك الاستثمار الكبير الذي دفعته تايوان في بناء أعلى ناطحة سحاب في العالم المعروفة بـ (برج 101) أي أن عدد أدواره مائة وواحد. هذا البرج العملاق حولته الحكومة الصينية إلى معلم سياحي. يأتيه الزوار من كل أنحاء العالم يدفعون رسوماً متعددة، وتنظم لهم إدارة البرج سياحة على الأقدام ومن خلال المصاعد. المهم في هذا أن هذا المعلم لم يقف عند استغلاله من خلال تأجير أدواره المتعددة. بل تعدى ذلك إلى أن أصبح هو في ذاته معلماً سياحياً يدر أموالاً طائلة.
ثم استغل هذا المعلم من قبل مؤسسات المجتمع المدني المتعدد.. وقد شهدت خلال زيارتي لهذا البرج قيام عمال بتحويل الساحة الأمامية الخارجية إلى ما يشبه شاطئ البحر. فقد جلبوا أطنان الرمل الأبيض الناعم ثم غمروا منطقة مجاورة بماء البحر، ولما سألت المرافق الصيني قال: إن مدرسة تايوانية تقيم حفلاً لطلابها وأولياء أمورهم بمناسبة انقضاء الفصل الدراسي وبداية الإجازة الصيفية، وهذا العمل سيجمع أبناء وبنات وأولياء أمورهم في الحي الذي تقع فيه المدرسة. ويهدف هذا الصنيع إلى إٍقامة شاطئ يشارك الجميع فيه، مقابل رسوم تحتاجها المدرسة لتطوير ذاتها وبرامجها.
تحدث في ورشة العمل الدكتور تحشو هوانج Chao Huang أستاذ الخدمة الاجتماعية في جامعة تشانج جونج المسيحية. الذي قال إن تطوير السياحة أمر لا مفر منه، ولكن من الضروري أن نجعل المجتمع في خدمة السياحة في بداية الأمر، ثم تصبح السياحة في خدمة المجتمع، وذلك أنها ستدر أموالاً طائلة على المجتمع. وكذلك ستوفر مئات بل آلاف فرص العمل. وهو ركز على ما أسماه: تنمية الصناعة الثقافية. وهو يرى أن تطوير المناحي الفكرية والثقافية في المجتمع وجعلها أحد معالم السياحة الوطنية ودعماً لها أمر يجب التفكير فيه. طبعاً هو يرتكز على تراث صيني ثقافي واسع وتاريخي. وهذا يذكرني بالتراث الثقافي العربي في المملكة العربية السعودية الذي يمكن من خلاله تطوير قاعدة سياحية ثقافية كبيرة وممتدة. ولما قلت له أن تاريخ المكان في المملكة العربية السعودية موغل في القدم، قال لي يكفيكم تراثكم الثقافي الإسلامي. إن لديكم في الحجاز فقط بانوراما تاريخية حية. لديكم سوق عكاظ على سبيل المثال. لو كانت هذه البانوراما موجودة عندنا لجعلنا منها مصدراً لدخل يفوق دخل الصين الحالي.
ولما تحدثت عن السياحة في المملكة مصاحباً حديثي بعرض على البوربونيت قاطعني أكثر من مشارك من خارج الصين يسألون عن السياحة الدينية. السياحة الدينية هذه جملة سمعت عنها الشيء القليل. ثلاثة ملايين حاج لا يشكلون في نظري سياحاً. ولا يجب أن نعدهم كذلك. لكننا نستطيع أن نستقطب أضعافهم على مدار العام لو بنينا قاعدة صلبة للتعامل مع السياحة الحديثة.
وتحدث السيد فيليب كوابح شونج Philip Kwang - Shoung عن توجهات جديدة في تنمية السياحة في الصين وبعد المحاضرة قلت للسيد فيليب هل نستطيع أن نطبق ما ورد في المحاضرة في بلد خارج تايوان؟ وقال إن هذا النموذج ذي التوجهات الجديدة صالح لكل بلد وعلى الخصوص تلك البلاد التي تشبه تايوان. وهو أضاف أن السياحة في المملكة في بداية الطريق. لكنه قال على المسؤولين أن يبدأوا من حيث انتهى الآخرون. وقد رأيت مدى الاستفادة القصوى الممكنة لو أننا نظمنا ورش عمل في المملكة على شاكلة الورشة الصينية على أنني أقدم اقتراحاً لسمو الأمير سلطان بن سلمان رجل السياحة الأول في المملكة، وهذا الاقتراح يتمثل في دعوة بعض المختصين في تايوان لتقديم تجربة الصين السياحية. وكذلك عرض تجربتنا السياحية الشاملة عليهم ومعرفة آرائهم حيالها. اقترح أن يطلب من كل واحد منهم تقريراً مفصلاً وعملياً. وأقترح أن تقدم الهيئة لكل مشارك بدلاً مادياً. لقد قدمت لنا ICDF مبلغ 3500دولار تايواني عن كل أسبوع، والمشاركون ليسوا خبراء. ولم تدعنا تايوان لنقدم مشورتنا تجاه برامجها السياحية.
ولفت نظري في صناعة السياحة في تايوان دقة العمل ودقة البرامج. ونحن في المملكة لدينا برامج سياحية معتمدة. لكننا لم نسمع كثيراً عنها. ولعل غياب دمج برامج السياحة مع فعاليات المجتمع هي وراء عدم معرفتنا ببرامجنا السياحية. ولقد واجهت مشكلة تتمثل في قلة الصور التاريخية والحضارية عن المملكة من أجل استخدامها وسائل للتعبير. أغلب المشاركين عرضوا صوراً تقنية عالية عن معالم بلدانهم. ولما سألت من أعد هذه الصور. قالوا هذه صور ليست من إعدادنا. بل من إعداد مصورين وفنيين محترفين، أعدتها دوائر السياحة عندهم وهذه الصور تقدم لمن يطلبها على قرص صلب بمقابل مادي زهيد.
وحيث واجهت مشكلة في هذا الصدد فإنني اقترح على هيئة السياحة في المملكة أن تعد برنامجاً مصوراً عن السياحة يجمع بين الصور التاريخية والمعالم المعاصرة. ويصاحبه كلام مكتوب باللغة الإنجليزية ويتخلله مقاطع من صوت المؤذن في الحرم الشريف وأغان شعبية من مختلف مناطق المملكة، ورقصات شعبية، استكشافات سعودية، نماذج من السوابق السعودية مثل رحلة الفضاء، عمليات فصل التوائم وغيرهما كثير. هذا العمل ضروري جداً، ولعل الهيئة تكلف بيت خبرة معتمداً أو الجامعات السعودية. لكن الأمر ضروري لكل من سيشارك في ورش عمل أو مؤتمرات عن السياحة.
(للحديث صلة)