المرأة الملعقة باختصار هي التي حباها الله قدرة لغوية في امتلاك ثروة لفظية هائلة مجيّرة في أغلبها لاصطفاء أقبح الألفاظ وأقذر الأوصاف مع هذر لايتوقف. وهي توصف شعبيًا بأنها ذات لسان طويل أو "عوباء" أو "ملسونة". المرأة الملعقة تعتقد جازمة أنها على صواب في كل شيء وأن سواها على خطأ في كل شيء.
ومن ابتلاه الله بزوجة كهذه فهرب منها ذات يوم إلى أحد المطاعم وكانت طاولته بالقرب من المطبخ فسمع خبط الملاعق الحاد المستمر، فإن هذا الصوت بالذات هو الذي يذكّره بصوت السيدة زوجته التي تسنّه طوال الوقت بصوتها الحادّ الذي لا يتوقف، فلا تدعه يتكلم ولا تعطيه فرصة للصمت.
ولتوضيح هذا النمط من الشخصيات، لابد من استعراض ماحفلت به الثقافة الشعبية من صور لهذه الشخصية وما يرتبط بها من قيم. فقد ورد في أحد الأمثال الشعبية قول أم توصي ابنتها وصية لكي تعمل بها بعد الذهاب مع زوجها. تقول الوصية: "انطلي، واهرمي، ولسانك لا يغلبي". وانطلي بمعنى اسرقي، واهرمي تعني الجرأة في اقتراف الموبقات. ويلاحظ أن هذه الوصية تتضمن ثلاثة أفعال سلبية ولكن أقواها أن اللسان يجب أن تكون له الغلبة دائمًا، على اعتبار أن قوة اللغة تجعل تفسير الأفعال ينطلي على المتلقي. فالسرقة مع اللسان الطرير (كلمة طرير تعني طرف السكين الحادّ المسنون للتوّ) لن تصبح سرقة، بل تكون شيئًا آخر.
ويوصف اللسان بأنه "طرير" حينما يوضع الكلام في موضعه الصحيح كالرد على الكلام بكلام ينقضه أو يكشف عيوبه. أما ما يتعلق بالجانب الصوتي للكلام من خلال رفع الصوت والمقاطعة وإثارة الضجيج الذي يمكّن الصوت من البروز الفيزيائي، فصاحبها يسمى "ملسوناً"، أي مصاباً بداء في اللسان يمنعه من السيطرة عليه. والفرق بين صاحب اللسان الطرير، وبين الملسون، أن الأول يقنع العقل بمنطقه ويعجب الأذن بصياغته البلاغية، في حين يصمّ الثاني الآذان ويؤذي الحواس وربما يقزز النفوس بما يجري عليه من كلام فاحش.
وعند تأمل الوصية السابقة، فمن المحتمل أنها هي من الوصايا الافتراضية التي تقال على سبيل استهجان سلوك معين أو التقليل من قيمة من يمارسه، مع ملاحظة الربط بين الفتاة وأمها في علاقة نمطية أبرزتها الأمثال الشعبية في ثقافات مختلفة باعتبار البنت نسخة من أمها.
ولعل الأم أوصت ابنتها لكي تعيش في مجتمع غريب عليها غير عابئة بأخلاق المجتمع، والعيش في مجتمع غريب يتطلب -في بعض الحالات- أن يأخذ المرء مايريد بالغلبة لأن العلاقة الافتراضية بينه وبين ذلك المجتمع هي علاقة التوجس والعداء. والسرقة بحد ذاتها معيبة ولكن الذي يغيرها هو اللسان الذي لايغلب، فربما يجعلها عملا فاضلا. وسأضرب مثلاً لسرقة صارت فضيلة بسبب اختلاف تفسير السلوك. فأحدهم كان يأخذ مجموعة أغراض من مستودع منزل صديقه دون علمه وكان يضعها في سيارته، ولم يتفاجأ حينما رآه صاحب السكن، بل بادر بالقول إنه وجد تكدّس الأغراض فأراد تقديم المساعدة في ترتيب المكان والتخفيف من بعض المخلفات، وراح يبين مقدار التعب في القيام بهذه المهمة ولكنه وضّح أنه يفعلها من أجل صديقه العزيز. وهناك أمثلة كثيرة لمثل هذا النوع من التصرّف، وأمثلة أخرى لما يسمى بالاحتيال الذي تغلف فيه السرقة بالكذب حيث يقع الشخص تحت خدعةٍ تجعله يوافق على سرقته من خلال اعتماده على معلومات غير دقيقة.
وعندما نتأمل الاستخدام الشعبي للمثل السابق نجد أن المراد باللسان الذي لايغلب هو اللسان الحاد الذي يسلق الآخرين بعنفه، لأن السياق الذي وردت فيه الوصية هو سياق سلبي، فمن المستبعد أن توصَى الفتاة بالأفعال المشينة ثم تطرّزها بالحكمة من خلال اللسان البليغ لأن هذا يتناقض مع سمات الشخصية. ففي الغالب، فإن الشخصية التي تمارس هذه الأفعال تتسم بالسرعة في التصرف وفي ردة الفعل، وسلاطة اللسان هي شكل من أشكال السرعة لأنها تمثل حلا سريعًا وآليًا للتخلص من المأزق.
وتعيب الثقافة على المرأة أن تكون صاحبة لسان سليط، وقد استقصى الدكتور عبدالله الغذامي علاقة المرأة باللغة في كتابه "المرأة واللغة" الذي أسس فيه للنسق الثقافي. ولهذا توصف المرأة كثيرة الكلام بأن لسانها كالملعقة؛ والملعقة- كما سبق- ترمز لدلالات، منها طول اللسان الذي يتجرأ على التفوّه بأقبح الألفاظ، والحركة المستمرة للسان الذي لايتعب من الحكي، كما ترمز للصوت المقزز الذي لاترتاح له الأسماع.
وهذا النمط من النساء موجود قديمًا وحديثًا، فقد كنت في أحد المتاجر بمدينة الرياض قبل أسابيع ورأيت امرأة شابة تسوط زوجها بلسان أشد عنفًا من السواطير أمام الجميع لأنه لم ينتبه إلى الجهاز الذي قالت إنه أعجبها. كانت تكرر العبارات المغلفة بنغمة حادّة مهينة غير عابئة بنفسها ولابزوجها ولا بالناس المدهوشين من حولها. وأثناء دراستي للغة الفارسية كانت معنا طالبة أمريكية سليطة اللسان، كثيرة الحركة لاتستقر دقيقتين على حال واحدة؛ وذات يوم أخبرتنا المعلمة بموعد عمل لكي نُنجزه فراحت تلك الطالبة تصرخ وانهالت على المعلمة بكلام غير مؤدّب، وكانت تقوم وتجلس وترمي دفاترها يمينًا وشمالا مع أن المعلمة غيّرت الموعد ليتوافق معها لكن لسانها ظل يرغي طوال الوقت وكأنها لا تسمع إلا صوتها.
هذا النموذج يقدّم لغة ذات سمات معينة في الصوت وفي الأداء وفي المحتوى، ومن هنا يرد التساؤل حول إمكانية اعتبار هذه اللغة على أنها أحد مظاهر اللغة النسوية وخاصة أن الرجل إذا مارس هذا السلوك نعت بأنه يتكلم كالمرأة. وللتأكد من ذلك ثمة حاجة لاستقراء مثل هذه اللغة عند شرائح مختلفة من النساء في مجتمع معين وفي مجتمعات أخرى، للخروج بوصف دقيق لمثل هذا السلوك اللغوي وعلاقته بالعوامل الاجتماعية والنفسية وبالمؤثرات الثقافية للبيئة.