كم هو مفجع ألا يعطي الدعاة، والوعاظ، والمربون نصيباً كبيراً من جهدهم للتربية الأخلاقية! بل لماذا لا تكون هي المحور الرئيسي في توجيههم وإرشادهم؟
وأي أمر أهم من هذا الشأن؟ إنه الرسالة الأولى للمؤسسات الدعوية والتربوية التي ينبغي ألا تغيب عن بال كل داعٍ، وواعظ، ومربٍ.
إن التربية الأخلاقية تتعزز من خلال الممارسة والقدوة الحسنة، وإن القيم التي نؤمن بها نحن المسلمين، ونتحدث عنها بفخر هي قيم عظيمة، وليس بإمكاني في مقالة مثل هذه أن أتحدث عنها جميعها - ولنتذكر حديث رسولنا الصادق الأمين: (إنما بعثت متمماً لمكارم الأخلاق) -وهو الذي مدحه ربه سبحانه وتعالى بوصفه (وإنك لعلى خلق عظيم)..
@@ @@
إن قيمنا موجودة في نصوص دستورنا الخالد وكتابنا المجيد. الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي وضع القواعد الكلية، والأسس العامة الصالحة لكل زمان، ومكان، وإنسان، وموجودة أيضاً في الأحاديث الشريفة التي صحت عن البني الكريم - عليه أفضل صلاة وتسليم - فما أحرانا أن ندرسها، ونعيها، ونمارسها سلوكاً في الحياة، لنجني منها أنفع الثمار.
@@ @@
إننا بالممارسة نربي بطريق القدوة، وما لم تتحول معطيات العلم، وقيم التربية إلى واقع سلوكي نطبقه في كل مؤسساتنا المجتمعية إذ منها ينتقل إلى المجتمع فإن أصحاب الرسالة التوجيهية مقصّرون في أداء رسالتهم أعظم تقصير.
وفي هذا المقال أتطرق إلى إحدى القيم الأساسية في ديننا القويم، كثر الحديث عنها، ولكنها لم تأخذ حتى الآن ما تستحقه من التطبيق العملي، ألا وهي قيمة الوقت، قيمة الزمن الذي أقسم به الله في قرآنه، والذي حدد بموجبه أداء الكثير من شعائر دينه.
- (والعصر.. إن الإنسان لفي خسر).
- والفجر وليال عشر والشفع والوتر).
- (والضحى والليل إذا سجى).
- (والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى).
@@ @@ @@
وأقرر أنه لا مستقبل لمجتمع لا يؤرق أفراده "الوعي بقيمة الزمن"، وإذا أردنا أن نفهم شعباً ما يجب أن نعرف قيمة الزمن عنده، وكيف يحسب وقته بشكل مختلف عن سواه من الشعوب، ومن الحكم الاقتصادية التي ظهرت حديثاً: أسرع الشعوب أغناها، وهو قول له رصيد من الواقع كبير والصحة الحقيقية.
@@ @@ @@
ومن آخر ما قرأت في موضوع العناية بالزمن قصة أستاذ غربي كبير ذهب ليعمل أستاذاً زائراً في جامعة إقليمية في إحدى دول أمريكا اللاتينية وفي أول موعد لمحاضراته طرأت له ظروف لم تكن في الحسبان، اضطرته إلى التأخر، فأسرع الخطو حتى وصل لاهثاً، متقطع الأنفاس، متأخراً بضع دقائق عن المحاضرة، وإذا به يفاجأ بأن أحداً من الطلاب لم يأت بعد؟؟ ثم بدأ الطلاب بعد ذلك يتوافدون إلى أن اقتربت نهاية المحاضرة التي تستمر عادة ثلاث ساعات، وعندما تكررت ظاهرة تأخر الطلاب، دفعه ذلك إلى الانشغال بما اطلق عليه: "الزمن الاجتماعي"، ثم قام بدراسة أودعها مؤلفاً أسماه "جغرافيا الزمن" تأثر فيه بقول أحد المفكرين: "لكي تفهم شعباً ما يجب أن تعرف قيمة الزمن التي يعيش بها". ولقد اختار الباحث وزملاؤه إحدى وثلاثين دولة، واختاروا في كل منها مدينة أو مدينتين لدراستها، ووضعوا خطة لقياس ثلاثة مؤشرات "لسرعة الحياة"، تضم ثلاثة مقاييس:
الأول: متوسط سرعة المشي لمجموعة من المشاة لمسافة 60قدماً، مع تفاصيل أخرى إجرائية.
ثانياً: قياس الزمن الذي يستغرفه عدد من موظفي مكاتب البريد لإنجاز طلب عادي لفرد من الجمهور.
ثالثاً: قياس الاهتمام بالزمن كما تبينه الساعات المعلقة في بعض الأماكن العامة كالبنوك مثلاً.
@@ @@ @@
وقد لفت نظري ما استخلصه الباحث من أن أسرع الشعوب هو أغناها، وإبرازه لعنصر سماه: "إلحاح الوقت"، ودراسته لبعض الثقافات التي تمتع الفرد فيها "بالإحساس بالزمن"، وكذلك استيعاب الفارق الكبير بين العيش على "زمن الساعة" والعيش على "زمن الحدث"؛ ففي الأول تتحدد بدايات الأشياء ونهاياتها تحديداً صارماً بالساعة، بينما في الثانية يخضع الناس لتلقائية توالي الأحداث، وقد قدم الكاتب ترتيباً لدول العالم في سرعة الحياة، فاحتلت سويسرا المكان الأول في القائمة، واحتلت ثمان من الدول الغربية ثمانية من الأماكن التسعة على القمة، وكانت اليابان في المركز الرابع.. كما تبين للباحث وجود علاقة قوية بين الصحة والوقت، وبينها وبين نمط الشخصية.
@@ @@ @@
إنك لتعجب كم يبحث الناس عن أيام العطلات، ليستريحوا من العمل.. وكم هم سعداء يوم الأربعاء لراحة الخميس، والجمعة.
@@ @@ @@
حدثني أخي عبدالله عن طرفة حقيقية حين كان يعمل في شركة أرامكو السعودية كان له زميل سعودي في العمل - حدث أن تم ترفيع عدد من العاملين في الشركة لم يكن هو من بينهم؛ فذهب إلى رئيس الوحدة التي يعمل فيها - وهو أمريكي - معاتباً لعدم ترقيته كزملائه الآخرين - فقال له الرئيس: لماذا تطالب بهذا وأنت لا تحترم الوقت - (تحضر متأخراً وتنصرف مبكراً وتختفي فيما بينهما...)، ولذا فقد اختفيت من بين مستحقي الترقية.
@@ @@ @@
وفقنا الله جميعاً إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.