نيكوتين.. منزوع الذكاء!
د. مطلق سعود المطيري
النسيان رحمة، والتذكر نعمة..
حين يفقد المرء عزيزا، أو يمنى بخسارة فادحة، يتصور مع الفقد أو الخسارة أن الحياة مستحيلة، وأن تلك هي نهاية العالم، ثم تدريجيا يعتاد غياب العزيز وضياع الثمين، ومع الاعتياد تدركه رحمة النسيان.
والتذكر ثراء للتجربة الإنسانية يعلي مراتب الخبرة، وحفاظ على الحق المهدد بأن يغيبه النسيان فلا يضيع أو يسلب، نعمة من الخالق ترفع من قيمة الوجود الإنساني..
بين رحمة النسيان ونعمة التذكر اتساع للمسافات يرتبك عليها المعنى أحيانا، وأحيانا أخرى تتلبس المواقف فداحة النقيض ...
أقرأ ما نشرته الصحف الثلاثاء الماضي من أخبار تقول إن علماء بريطانيين أعلنوا أن التدخين يساهم في تحسين الذاكرة بشكل ملحوظ ويزيد من قدرة الإنسان على التركيز، وهو ما يعني تحفيز النشاط الذهني والذكاء، فهل يمكن أن يكون التدخين من وسائل إدراك نعمة التذكر؟..
الخبر شديد الغرابة، خاصة وأننا نقرأ ونسمع ونرى عبر كل وسائل الإعلام وأدوات الاتصال تحذيرات لا تهدأ ولا تمل من التنبيه الى أضرار التدخين وما يسببه من أمراض خطيرة، ثم مؤخرا تم إلزام شركات انتاج التبغ بوضع صيغة تحذيرية على علب السجائر، مع كل ذلك يبقى لما أعلنه علماء بريطانيا أهميته، إذ هو رأي علمي يقوم على اختبار وتجربة ولا يحق الاعتراض عليه إلا بسند علمي آخر.
وبما أن شركات إنتاج التبغ لا تدخر سعيا الى تعطيل إجراء الأبحاث التي تحاول أن تتوصل لإنتاج عقاقير لعلاج الإدمان على التدخين، فهي بهذا الخبر قد حققت انتصارا - مجانيا - سيحول مراكز الأبحاث الطبية إلى مزارع تبغ لجعل ذاكرة الإنسان متحفزة لاسترجاع الذكريات متى ما أراد، ولا نستبعد أن يكون شعارها "بالنيكوتين وحده تشتعل ذاكرتك"، مثلما لا نستبعد أن تنص اللوائح التعليمية على طرد الطالب من لجان الامتحانات إذا ثبت أنه مدخن، باعتبارالتدخين من المنشطات الذهنية على غرار ما يجري في ملاعب الرياضة.
ولأننا في العالم العربي مدخنون شرهون فهذه حقيقة تُسقط من يد القوى الخارجية ذريعة - لأسباب طبية - للتدخل في شئوننا الداخلية وفرض التدخين علينا بالقوة لإحياء ذاكرتنا بمثل ما تدخلت به لفرض الديموقراطية في عالمنا العربي، فتلك حالنا مع كل توجه إيجابي، لا نطبقه إلا بقوة الفرض والإذلال.
الإنسان العربي يعيش في ذاكرته منذ قرون، وما زالت أسئلة الماضي بعافيتها في تلك الذاكرة، مطمئنة الى سلامتها، ومحصنة ضد الإجابات الحضارية التي تحاول تعطيل ذاكرتنا، مؤثرة بذلك سلامتها حتى لا نتهم بأننا أمة تسعى للهيمنة على غيرها.
وأكثر فئة في العالم شراهة في التدخين هم بعض الزعماء، فهم يتناولون أفخر أنواع التبغ، ويخصون أنفسهم بعينة تختلف عن العينة الشعبية التي تتعاطاها الشعوب، لاختلاف وظائف التذكر وأهدافه وفاعليته عندهم وعند العامة، فهؤلاء الزعماء هم أكثر الأشخاص اهتماما بالتاريخ لمعرفة أساليب المؤامرات والانقلابات التي قد تطيح بهم رغبة في تفاديها، وفي ذات الوقت فإن تطلع العامة للمستقبل بنكران للماضي لا يحافظ على شرعية بقائهم، ولا يحفزهم على الولاء لهم.
قد يقول بعض النابهين، الذين كسبوا ثقافتهم من التحذير على علب السجائر، إن التدخين يسبب أمراض القلب والرئة والشرايين وننصحك بالامتناع عنه، لكن مثل هذه النصيحة سرعان ما تسقط أهميتها مع رواج مشهود لبيع وشراء الأعضاء البشرية حدد لها تسعيرة لا تعجز المقتدر الذي يحتاج إليها وتنفع البائس المحتاج لثمنها ولكن الذاكرة لا تشترى ولا تباع.
إن صحت مزاعم علماء بريطانيا عن فائدة النيكوتين ثار السؤال المحير، فالمعروف أن أجود ما يأتينا من أنواع التبغ توليفة أمريكية أو انجليزية، ومع ذلك تفشل كل محاولاتنا استجماع فروض حسن النية لنقول إن مصدري التبغ حريصون على مصالحنا بتقديم بضاعة تشعل الذاكرة، فكيف فاتهم هذا الإدراك ليقدموا لنا ما ينفعنا؟ أو أنهم لم يكونوا على علم بما كشفه مؤخرا علماؤهم؟
بعض أكاذيب الحياة تتفجر صدقاً، وأكاد أجزم - إن صدق الإعلان - أنهم عارفون من البداية، وأنهم راغبون في إشعال ذاكرتنا كي تبقى بصائرنا معلقة بالوراء، هذا يخدم مصالحهم، أما الرؤية المستقبلية فتقض مضاجعهم وتملأ قلوبهم بالهم والغم والكرب العظيم، وتبقى بعد ذلك المشكلة أمامهم في أن النيكوتين قد يرفع درجات الذكاء لنكتشف أنهم كانوا عامدين تثبيت عيوننا على الماضي فنكف عن تعاطي بضاعتهم، وحتى هذه أكاد أجزم أنهم قد حسبوا لها ألف حساب، فحرصوا على أن يقدموا لنا توليفة التبغ، تشعل الذاكرة ولكنها - مثل القهوة منزوعة الكافيين - تحتوي على نيكوتين منزوع الذكاء!!