حتى ثلاث سنوات خلت لم يكن امام المهندس احمد عبد البنات الذي يقطن مدينة الفاشر من (فرص كافية) لتحسين وضعة المالي والقيام بالتزاماته تجاه عائلته بعدما شملته قائمة المفصولين تعسفيا منذ وقت مبكر (دون ان تضع سنوات خبرته الطويلة في الحسبان)، وكانت الأشهر الاولى من الحرب التي اشتعلت في الأقليم تمثل بالنسبة له ولغيره من ضحايا الفصل التعسفي (ضربة قاضية) .. لكن الرياح حملت لمهندس الحفريات العتيق ولغيره من السكان (خيرا استثنائيا) عندما اشعلت مآلاتها سوق العقارات.
فقد أفرز الواقع الامني المتردي في شمال دارفور وفي جنوبها وما تسبب فيه من هجرة للسكان (ظاهرة جديدة وغير متوقعة) وكان سببا في ارتفاع اسعار ايجارات المنازل السكنية والتجارية بصورة لم تكن لتخطر علي بال احد .. وحتي ان بعضها فاق ما هو حادث في الخرطوم، ففي الفاشر "عاصمة الحزء الشمالي من الاقليم" شهدت احياء المدينة القديمة تصاعدا كبيرا في اسعار ايجارات المنازل الامر الذي جعل العديد من العوائل تلجأ الى الخروج من منازلها للمناطق الطرفية او للمساكنة مع اقاربهم وتأجير منازلهم.
ومن بين المحفزات الرئيسية لارتفاع الايجارت في مدن الفاشر ونيالا والجنينة علي وجه التحديد وجود الآلاف من موظفي المنظمات الانسانية والقوات الاممية المعنية بمراقبة اتفاق وقف اطلاق النار ، فضلا عن المستطيعين من سكان المدن الاخرى الذين اجبروا علي ترك مناطقهم واللجوء الي هذه المدن .
هذا الواقع الجديد مثلما حمل المعاناة لسكان الريف والبلدات الطرفية كان سببا في الانفراج علي سكان المدن فقد وصلت ايجارات بعض المنازل الي اكثر من ثلاثة ملايين جنيه في الشهر وهو رقم قياسي حتي بمقاييس مدينة الخرطوم ومدن اخرى في البلاد، وتتراوح ايجارات المنازل في الفاشر ونيالا ما بين 400ألف نظير الشهر الواحد وعشرة ملايين ، وحسب السماسرة فان ايجارات المنازل في تصاعد مستمر خاصة بعد مضاعفة بعثة المراقبة الي 22الف جندي بدلا عن 7الاف، ما يعني ان معاناة من نوع جديد اضيفت للسكان الذين غادروا مناطقهم وفضلوا عدم الاقامة في معسكرات ايواء بائسة في اطراف المدينة .
يقول عوض آدم سيد (يعمل سمسارا لبيع وتأجير المنازل في مدينة الفاشر) .. ل"الرياض" سكان المدينة القدامى يعتمدون بصورة اساسية على عوائد ما يملكونه من محال تجارية او منازل مؤجرة للاخرين..وحسب قوله ل(الرياض) فقد انعكس هذا الامر ايجابا على احوالهم بعد ان ضربت الحرب معاشهم في مقتل وتسببت في ان تشهد اسواقها حركة نشطة.
ويقول ابوبكر احمد طاهر ( موظف باحدي المنظمات الانسانية) خلال العامين المنصرمين ارتفعت اسعار المنازل السكنية واسعار ايجاراتها في مدينة الفاشر بصورة كبيرة.اما طارق عبد الرحمن وهو من سكان المدينة فيقول .. لقد ازداد عدد النازحين في مدينة الفاشر وقد ارتفعت اسعار ايجارات المنازل السكنية الى الضعف .. انا أسكن في حي كفوت بوسط المدينة وقد بلغ ايجار احد المنازل 6ملايين ونصف جنيه وهناك الكثير من منازل حينا تم ايجارها بالملايين.
ويشير طارق الي ان المنظمات التي اتت بها الحرب ومآلاتها مثلما رفعت من ايجارات المنازل وفرت فرص التوظيف للشباب.وفي منحى مواز .. ادي هذا الواقع الي أن يلجا سكان الفاشر ومدن اخري الي بيع مدخراتهم من اجل تحسين منازلهم حتي يضمنوا تأجيرها باسعار مرتفعة، فالذين يدفعون اسعارا مرتفعة هم من العاملين في المنظمات التي تعمل في المجال الانساني وهم اما انهم يتقاضون مرتبات مرتفعة او ان منظماتهم تتكفل بتأجير المنازل لهم .
وفي مدينة نيالا التي تعد من اكثر مدن الاقليم رواجا فان اسعار الايجارات حسنت احوال سكانها بصورة كبيرة حتي ان بعض المنازل فاقت ايجاراتها ايجارات ارقي الاحياء في الخرطوم، ويتحدث سكان المدينة عن منزل تم تأجيره لاحدي المننظمات بعشرة ملايين في الشهر، وحسبما يقول محمود الشين وهو صحفي مقيم بالمدينة فان نيالا تحولت الي مدينة بيضاء لان سكانها اعادوا صيانة منازلهم وطلوها باللون الابيض حتي يجتذبوا لها مستأجرين من العاملين في المنظمات او الاتحاد الافريقي..ويتطرق الشين في حديثه مع (الرياض) الي أن الوجود الكثيف للعاملين في المنظمات والزائرين لنيالا لم يستفد منهم فقط اصحاب المنازل المعروضة للايجار وانما مجمل الحركة الاقتصادية في المنطقة .. يقول .. المدن الرئيسية في دارفور تتداول اموالا طائلة وغير معهودة مصدرها المرتبات الكبيرة للموظفين الانسانيين وجنود الاتحاد الافريقي الذين تعج بهم المنطقة.
وحسبما يقول الشين فان ما يجري في دارفور يؤكد صحة مقولة مصائب قوم عند قوم فوائد .. فمثلما كانت الحرب فتحا علي سكان المدن الكبيرة ، كانت وبالا علي سكان واخرجت مدنهم من دائرة الحركة والانتاج وعلي رأس هذه المدن مليط وكتم في شمال دارفور وزالنجي في غرب دارفور وكاس وام دافوق في جنوب دارفور .. فقد كانت هذه المدن رائجة بالحركة التجارية الداخلية وا