بحث



الأثنين 18 رجب 1429هـ -21 يوليو2008م - العدد 14637

عودة الى خزامى الصحارى

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الصورة الفنية في الشعر الفصيح والشعبي

عبدالله الجعيثن
    ورد إذا ورد البحيرة شارباً ** ورد الفرات زئيره والنيلا

لا روحت مع سباريت الخلا الخالي** كن الذيابه تنهش من جوانبها

التصوير الفني هو الذي يجعل الشعر يبقى على الزمان، ونجد فيه متعة وروعة. أما الوزن وحده فلا يفعل شيئاً يذكر، فهناك منظومات كثيرة ولكنها بلا روح، فهي تموت..

روح الشعر هو الخيال الخلاق، والصور الخلابة، والعواطف الجياشة، وموسيقى الشعر تخدم تلك العواطف، وتعزف لتلك الصور لكي ترقص، وتجنح بالخيال، فيحس قارئ الشعر الرائع أنه يطير فوق السحاب!

إن الشعر الذي تسري فيه موهبة الفنان، يسري في عواطفنا سريان الكهرباء في الأسلاك، ويجري في مشاعرنا جريان الدماء في العروق:

إذا ما صافح الأسماع يوماً

تبسمت الضمائر والقلوب

وما أكثر الشعر العربي - من الفصيح خاصة وبعض الشعبي - الذي تتبسم له الضمائر والقلوب، وتتفح له أشرعة الخيال، ويسافر بنا إلى جزائر الفن والجمال..

ومن الشعر الذي فيه صورة فنية تكاد تنطق قول المتنبي يصف أسداً:

يطأ الثرى مترفقاً من تيهه

فكأنه آس يجس عليلاً

ورد إذا ورد البحيرة شارباً

ورد الفرات زئيره والنيلا

فقد صور هذا الأسد الضرغام وهو يمشي الهوينى بأنه مستكبر تائه بقوته يلمس الأرض برفق كأنه طبيب يلمس مريضاً، وهو إذا زأر زلزل الدنيا حتى يصل زئيره إلى الفرات والنيل وبينهما آلاف الأميال!

ويقول البحتري في وصف جيش المتوكل:

خلنا الجبال تسير فيه وقد غدت

عدداً يسير بها العديد الأكثر

فالخيل تصهل والفوارس تدعي

والبيض تلمع والأسنة تزهر

والأرض خاشعة تميد بثقلها

والجو معتكر الجوانب أغبر

والشمس ماتعة توقّد بالضحى

طوراً، ويطفئها العجاج الأكبر!

فقد صور الجيش كأنما نراه بلجيبه حتى كأن الجبال تسير معه لكثرته، والخيل تصهل والفرسان يتداعون متزاحمين والأرض تميد بثقل الجيش والجو يتعكر من الغبار والشمس في رابعة النهار وقد ارتفعت في كبد السماء (ماتعة قوية الضوء) ولكن عجاج الجيش الهائل يطفئ نورها!

ومن روائع التصوير الفني في شعرنا الشعبي قول فراج بن ريفه القحطاني يصف الذلول

قم يا نديبي على اللي يهذل اهذالي

مامونت يرفع الهولان غاربها

تزها السفايف وتزها الخرج وحبالي

ما يشتحن من هل العيرات راكبها

ياالله وانا طالبك حمراً هوى بالي

وان روح الجيش طفاح جنايبها

لا روح الجيش حاديه اشهب اللالي

لاهي تورد وسيع الصدر راكبها

اللي على كورها واللي بل اصالي

واللي على المردفه واللي بغاربها

لا روحت مع سباريت الخلا الخلالي

كن الذيابه تنهش من جوانبها

إنها صورة فنية رائعة في هذه القصيدة الجميلة: تصوير سرعة الذلول بأنها كأنما تهرب من ذئاب تناوشها، وتصوير الجيش بحث السرعة (حاديه اشهب اللالي) أي السراب المخيف فهو مسرع ليلحق الماء ثم تصوير الصحراء بأنها (سباريت) وهي الخلاء الذي لا صوت فيه ولا ريح ولا حركة!

(وسباريت) كلمة فصيحة بديعة هنا:

لا روحت مع سباريت الخلا الخالي

كن الذيابه تنهش من جوانبها!

ولفظة (من) في موقعها أفضل من تنهش جوانبها.. فهي تدل على أن الذئاب لا تستطيع اللحاق بها إلا قليلاً فتنهش (من جوانبها) للتبعيض وحاشا أن تنهشها ذئاب ولكنه التحليق في التصوير للتدليل على شدة سرعتها.

ومن التصوير الفني قول الأعشى يمدح الملحق:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة

إلى ضوء نار في يقاع تحرق

تشب لمقرورين يصطليانها

وبات على النار الندى والمحلق!

فقد جسد الندى (الكرم) وجعله ملازماً للمحلق يجلسان أمام فاكهة الشتاء معا..

وقد زوج الاعشى بنات المحلق بهذه القصيدة حين مدحه بفن راق بقي على مدى الدهر.

ويقول ذو الرمة وقد وقف على منازل محبوبته مي:

قف العيس في أطلال مية ما سأل

رسوماً كأخلاق الرداء المسلسل

أظن الذي يجدي عليك سؤالها

دموعاً كتبذير الجمان المفصل

فصور لوعته ودموعه وحال منازل محبوبته وقد بليت.

وهذا يشبه قول ابن لعبون في منازل محبوبته واسمها (مي) أيضاً:

يا منازل مي في ذيك الحزوم

قبلة الفيحا وشرق عن سنام

في سراب عن جوانبها يحوم

طافحات مثل خبز في يدام

يستبين بها الخبير بها الرسوم

دارسات كنهن دق الوشام

دار (مي) يوم (مي) لي تقوم

قومة المأموم من خلف الإمام!.

إنه تصوير رائع لحال المنازل الدارسة، وقد ختمه ابن لعبون بذكرياته السعيدة التي تزيده بكاء على الديار حين كانت مي في هذه الديار تتبعه كما يتبع المأمومون الإمام!.

تعليقان
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


شكرا لك على هذا الإبداع..
و حين يذكر ابن لعبون و قصيده عن مي و منازلها، يجب ان تذكر هذه المنازل و هي "الزبير" التي أمّها النجدين و حكموها دهراً ثم تولوا عنها و عادوا.


القصيمي
ابلاغ
04:26 مساءً 2008/07/21

 


أنا اقرا الجريدة في مكتبة الجامعة..
فاذا وجدت لك مقال جزمت ان اشتري الجريدة..
الى الأمام أخي..


ناصر عبدو
ابلاغ
09:39 مساءً 2008/07/21


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى خزامى الصحارى

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2009
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية