لا تلُم النساء.. فالرجال أعظم في الثرثرة..!!
(لماذا تثرثر النساء ويصمت الرجال؟) هذا كان عنوان إحدى روائع كاتبنا الكبير "فهد الأحمدي" والمنشور يوم الاثنين 11رجب 1429ه، وسأكتب مقالي كمجاراة له، لاستحساني للفكرة، وطريقة الطرح، وبراعة سبك المعاني وحتى ما بين سطورها تلك التي جاءت بصوت رجالي أجش وعريض، وحرفنه غليظة عملية وعلمية، ومن بعد "زبدتك" أستاذنا سأثرثر وأفصل بنبرة نسائية تشاركك خصوصية هذا الموضوع، والنصف الآخر منه!.
في البداية لي عتب بسيط لسردك تلك النصائح النفيسة في آخر مقالك، فكم تمنيت لو أنك كتبتها في الديباجة قبل أن تنتهي الدقيقتين الأولى لاستيعاب الرجال "كما أفدت" لأنها بالفعل الموجز والفائدة وتشتتوا قبل الوصول لها، وفي ردود المتفاعلين مع الموضوع دليل واضح على صدق النظرية، وبالعامية "لقوا أنفسهم" وغاصوا وتوقفوا عند الفكرة في الأعلى "ثرثرة النساء وصمت الرجال"، وحلق البعض في نرجسية الشعور بالتميز والفوقية، ودخلوا في تلك المتاهة متجاهلين الأهم والسبب والتحليل الذي ذكر في طيات حديثك، والذي باختصار يعني "وجود فروق جوهرية حقيقية ومن المهم مراعاتها بين الرجل والمرأة"، وهذا الاختلاف لا يقضي لاتهام المرأة بالخطأ وتصويب الرجل، بيد أنها فردية وضعت فيهما التناسب ربما مع الدور المناط بكل واحد في الحياة، فرب العالمين أول ما خلق حواء من ضلع آدم لتؤنسه وتتحدث معه، ففي حديثها معه مشاركة ورأفة ورحمة، وتودد وأنس "فلا تعيروها".
يا مبدعنا.. هناك أسباب تتحدث لأجلها النساء فيما يصمت الرجال، ألا وهي:
1- لإيصال أو جمع معلومات (وهذا سبب مشترك إلا أنه السبب الوحيد الذي يتحدث لأجله الرجل).
2- لسبر واكتشاف ما تريد أن تقوله (فيما يتوقف هو عن الحديث ليقرر في داخله ماذا يريد أن يقول ويتحدث، هي تفكر بصوت مرتفع).
3- لتشعر بتحسن وتوازن أكثر إذا كانت متضايقة (ويتوقف هو عن الحديث عندما يكون متضايقاً، وفي تقوقعه داخل نفسه يرى أن لديه الفرصة ليهدأ).
4- لخلق مودة، فعن طريق البوح بمشاعرها الداخلية تكون قادرة على معرفة ذاتها الودودة (ويتوقف هو عن الحديث لكي يجد ذاته مرة أخرى، ويخشى أن يفقده كثير المودة ذاته).
ومن دون هذا الفهم الأساسي لاختلافاتنا وحاجاتنا لن يكون من السهل إدراك لماذا يعاني الأزواج في علاقاتهم.. وجميع ما تقدم من توضيح بالترقيم ليس من كلامي بل للدكتور "جون غراي" بعد دراسة طويلة وقياس وجمع استنتاجاته في كتاب (الرجال من المريخ والنساء من الزهرة) الذي ترجمه د. حمود الشريف، وهو يتحدث بدفة عن نقاط الخلاف بين النساء والرجال، والذي أوجز بنصيحتك - في الآخر - للأسف أستاذ فهد!.
وهذا الاختلاف يؤدي للخلاف بينهما سواء في النرويج أو سنغافورة أو الهند أو هنا - كما قلت -، ومن التعميم للتخصيص فإني لأرى أن عندنا يضاف لها قلة الاحترام والتقدير للمرأة ومكانتها ودورها وعقلها وطبيعتها، فهي ليست إلا الجارية للسيد المطاع، وأداة لمتعته، وعاملاً مساعداً على توفير وسائل الرفاهية والراحة والاستمتاع له، وفريسة في قبضة صيادها، وإن أعطى فبمقابل!، فهي قد تكون المرأة المحبة الصابرة المثابرة المستعبدة المطيعة، والتي حققت له أقصى درجات الرغبة والإشباع المطلوبين، وحينها حتى لو كانت متسلطة أو سيئة الخلق أو الخلقة واتكالية سيتغاضى فالأهم عنده أولى من المهم!.
عندنا يا أستاذ فهد حقوق مهضومة للمرأة تخص آدميتها نطالب بها ولكن الجذور التهميشية الراسخة في التربية هي سيدة الموقف، وأحياناً حتى المثقف الواعي لو ناقشته وضيقت عليه سيظهر الأصل، ويقول بالكلمة الواحدة: من أنت! لست إلا امرأة، أو أنا حر وعليك السمع والطاعة، أو أنا من يقرر وعليك التنفيذ، وغيرها من معايير هي ما يفترض العمل على نقاشها وتغييرها ولو بعد عشر أو عشرين من السنين بدل أن تخرج أجيال إثر أجيال على نفس الفهم والأسلوب والسطحية لا يؤثر فيهم لا علم ولا ثقافة ولا إعمال فكر، ولكي تكسب المرأة هنا فلتفكر كم يجب ان تعطيه من دلال وغنج تنقصه فهذا الشيء الوحيد الذي يعنيه فيها، دون حرص على تفهم أو ثقة أو تعاطف أو تقبل أو دعم معنوي، أو تراضي يكفل رضا الطرفين!.
كاتبنا عذراً سكوته وكلامها فطرة، وتفاوت منطقي يحكمه طريقة التفكير والأسلوب ليس إلا، أو مثل قول ذلك الشاعر في لحظة تجلي:
الحب علمها السكوت
والحب علمني الكلام
لأن الحب حالة استثنائية تخرج كل إنسان عن حالته وطبيعته - كما نعلم -، فالرجل فعلاً إذا أراد حلولا أو له أهداف صار أعظم ثرثار، وأكبر دليل لو جالست ضحايا الأسهم مثلاً بعد السقوط وعظم المصاب هل لا ذوا للصمت وتجرعوا المرار بهدوء؟ لا، بل من سكت شت ذهنه وعقله!.
يا سيدي.. الكلام لغة تعبير وتخاطب وتفاهم وإيصال فكر ومنطق، وحوار وأخذ وعطاء، وفرق بين الإنسان والجماد والحيوان، فهل يعقل أن هذا أيضاً لا بد أن تحرم منه لتصبح آلة أو حملا وديعا صامتا ليصفقوا لها، ويعتبروها مميزة بلا مشاركة لا بيد ولا لسان، وعليها أن تكتم في قلبها وتكتفي بأضعف الإيمان؟!.