"لو عدل الناس لاستراح القاضي"، مضمون ممتاز، لكنه أحد المستحيلات في التحقيق والتنفيذ، ومن هنا جاء صراع الخير والشر في الإنسان، وحين نستعرض مجتمعنا وكيف نحدد بعض أمراضه، فإننا لا نصل إلى الظاهرة المعقدة والصعبة على الحل حين تأتي العقوبات بحجم التجاوزات، غير أن بروز مظاهر جديدة خلال هذا الأسبوع عندما كشف وزير الشؤون الاجتماعية موظفين ومتعاونين لسرقة أموال مستحقة لمعاقين يجري التحقيق معهم، وتتم مساءلة (190) من المتلاعبين في سوق المال خالفوا اللوائح التنفيذية، وتعمل أمانة مدينة الرياض على مراقبة جميع المنشآت الغذائية من مطاعم وتجار أطعمة وغيرهما، وتغريم كل متسبب في حالة تسمم أو غش تجاري وفرض عقوبات متتالية ومهمة، يجعلنا نعتقد أن هذا المسار هوبداية لتصحيح حالات كثيرة عاشت معنا كأي مجتمع توجد في بعض أعضائه نوازع الطمع وبذور الفساد..
الأمر لا يختص بهذه العينات فقط، عندما نجد تفشي الرشوة، والواسطة ومغالاة التجار في رفع الأسعار، وهناك من يعطيها مبررات لا صلة لها بالأخلاق ولا أحكام الشرع، ونجد أن الظلم يقع على فئات اجتماعية متوسطة أو فقيرة، لدرجة شاع في أوساطنا أن الوظيفة، وإصدار أي رخصة، أو الحصول على خدمة ما في أي دائرة أو مؤسسة تبدأ بالمزايدة، والدفع حسب حجم هذه المنفعة..
يصعب أن ندرج الكثرة أمام ضعاف النفوس، لأننا نؤمن أن في مجتمعنا فضائل لا تزال قائمة، بل وهناك محسنون من طبقات مختلفة يقدمون المعونات والصدقات ودفع الديات عن محتاجين مفترضين، إلا أن أي بذرة تعارض وتخالف نواميس القاعدة العامة في المجتمع تعتبر تأسيساً لفعل سلبي ينمو ويتمدد إلى حدود الظاهرة..
في البلدان التي تجعل القانون قوة الحكم على التعديات والمخالفات، أعطت لقوانينها قوة الردع، وصار الالتزام بها سلوكاً عاماً، ونحن في شريعتنا الإسلامية من نظم هذه الحالات ووضع لها الاشتراطات والجزاءات حين لم تفرق بين قاطع طريق ولص، أو بين مخرب لمنشآت الوطن، أو نهب المال العام عندما وضعت قواعد ملزمة وصارمة لكل جنحة، أما أن تظهر علامات محاسبة من وزارة، أو هيئة، أو أمانة عاصمة لأي تجاوزات صحية، أو تجارية، أو مالية، فهذه تعد ضوابط تدل أن هذه البدايات قد تكون التأسيس لإحياء دور الأجهزة الرقابية، ومنحها الصلاحيات التي تجعل ردع القلة في إصلاح الأكثرية منهجاً دينياً وخلقياً..
لسنا مع التشهير في قضايا تضر بسمعة عائلة أو إنسان، لكن فضح مؤسسة أو تاجر، أو صاحب مطعم، أو جهة حكومية، أو أهلية بأن تعلن الوقائع، شأن التشهير بالمخربين من القتلة واللصوص والإرهابيين وغيرهم، فالأمر نعتقد أنه إيجابي ليس فقط من الناحية الأخلاقية، بل لجعل الرادع بمستوى الحكم الذي لا يمكن تجاوزه أو نقضه، ونحن مجتمع لم يعد محدوداً بقراه أو مدنه الصغيرة، وتهيمن عليه أخلاقيات المجتمع الصغير الذي جعل من أي عيب سقطة خطيرة تلاحق صاحبها، إلى آماد بعيدة، بل صار مجتمعنا متنوعاً وكبيراً في نمو تعداده، وتواصله مع العالم، وبالتالي فالأثر والتأثير حالة قائمة بما فيها السلوكيات الإيجابية والسلبية ووجوب خلق الرادع لها..