هناك نوع من الشراكات تنشأ بين صناع السياسة والعاملين في الإعلام. وفي مثل هذه الشراكة قد يكون رجال السياسة هم الرابح الأول إذ تنتهي الصفقة بجني الثمار من خلال التأكد من غسيل فائق النظافة لأدمغة القراء والمشاهدين وجعل حشوات رؤوسهم بيئة مهيَّأة لاستنبات المكائد المبذورة بعناية فائقة.
وهذا يعني بكل وضوح فسادا إعلاميا وتعفنا في الضمائر على مستوى كبير. لقد عملت ما يكفي في إعداد البرامج التلفزيونية لأؤكد ان المرضي عنهم من ذوي توجه معين، يستطيعون الظهور مراراً في البرامج الحوارية وجني ثمن ظهورهم على الشاشات في أكثر من قضية إن هم اتقنوا لعبة الإعلام القائمة على التلاعب بالمعلومة، وأعادوا تشكيلها بما يتناسب مع حجم المؤامرات وفهموا توجه القناة التي سيظهرون عليها.
الأسلوب الذي استخدمته أمريكا لتطويع الإعلام وتسويق أجندتها لشن الحرب على العراق أصبحت فضيحة يجدر دراستها على مستوى أكاديمي، ليستفيد من تلك المعلومات من تسول له نفسه العمل في مجال الصحافة، أو نية التنزه في ساحات القرار الزلقة، حيث تحاك المكائد ضد الشعوب بأصابع ناعمة لكنها نجسة.
كانت جاكي آشلي من صحيفة "الغارديان" البريطانية قد قالت انه على كل مهتم بكيفية التلاعب بالرأي العام وعقلية العامة، أن يدرس كيف قامت إدارة بوش باستخدام "الخبراء" لتبيع على الناس قصة الحرب على العراق، وتدافع عن نفسها فيما يتعلق بسجن غوانتانامو.
قام أحد مراسلي صحيفة "نيوريوك تايمز" الأمريكية بما تحدثت عنه آشلي. ديفيد بارستو كتب عن كيفية تسخير واشنطن للإعلام، لكن لم ينتبه إلى جهده كثيرون. إذ كشف ان البنتاغون قام بتوظيف 75من المتقاعدين، وكان تركيز البنتاغون على استهداف الأفراد الذين يجيدون التحليل السياسي، أو ممن هم خامة جيدة للعمل كمحلل لصالح شؤون الدفاع ممن يستضافون عادة من قبل المحطات التلفزيونية الفضائية الرئيسية مثل فوكس نيوز، وإن بي سي، وسي إن إن، وسي بي إس، وإيه بي سي. لم تكن واشنطن تدفع لهم مبالغ من المال أو أجورا بشكل مباشر مقابل حياكة قصة مفبركة لصالح البنتاغون. بل بدلاً من ذلك تم استقطابهم بطرق أخرى ملتوية، وكانت مكافآتهم من نوع آخر، جعلت مقاعدهم في دائرة الأضواء، وبالقرب من مناهل الاستفادة نتيجة نفوذ من نوع آخر.
أصبحوا مثلاً يتلقون النشرات والملخصات الإعلامية الخاصة، كما تمرر لهم أخبار المعلومات الطازجة المطهية في فرن القرار الأمريكي، اضافة إلى تيسير أمر اجرائهم مقابلات ولقاءات خاصة مع الشخصيات النافذة ممن يعملون في مراكز حساسة في ادارة بوش ابتداء من ديك تشيني وانتهاء بقادة الوحدات العسكرية. كما منحوا رحلات مجانية إلى العراق وسجن غوانتانامو، ومنحوا صلاحيات اضافية للاطلاع بشكل سري "مقصود" على معلومات استخباراتية يفترض انها سرية ولا يسمح بالاطلاع عليها من قبل الإعلاميين. هذه الصلاحيات أهم بكثير من رزمة دولارات.
بعض هؤلاء الذين تم اختيارهم ليصبحوا "إعلاميين" محللين على شاشات التلفاز هم موظفون أصلاً لدى مقاولين عسكريين على مستوى كبير، ممن يبحثون عن فرص استثمار جديدة في الخرابات التي صنعتها أمريكا باسم (الحرب على الإرهاب) لتسويق خدمات شركاتهم ومنتوجاتهم. وبهذا تتاح لهؤلاء الإعلاميين فرصة الاطلاع على ما يجري سراً فيما يتعلق بالأحوال في العراق وغيرها، وهذا ما لا يقدر بثمن. لأنهم يستطيعون معرفة العطاءات والمشاريع القادمة وكيف سيستفيدون من جني أرباح طائلة من مقايضة هذه المعلومات مع المهتمين بالاستثمار في مثل تلك المشاريع.
أحد الأشخاص الذين اعترفوا باستفادتهم من هذا النظام هو الكولونيل المتقاعد جون غاريت الذي يقدم تحليلاته لمحطة تلفزيون "فوكس نيوز" جون اعترف علناً انه استفاد من هذا الاطلاع اثناء عمله لصالح أشخاص متعهدين يبحثون عن عطاءات لتوريد معدات للجيش. وقال في تعليقه على هذا الأمر "إن كنت تعلم بأن لديك معلومات ومؤهلات تمكنك من شغر مكان حيث هم بحاجة إليك، حاول أن تشغله. لأن ذلك سيعود بالنفع على الجميع.
وكما هو متوقع يمكن لهؤلاء المقربين الاستفادة من تسويق جميع المعلومات المتاح لهم الاطلاع عليها، باستثناء المعلومات المتعلقة بما فعلوه بالعراقيين، أو المعلومات المتعلقة بالأمريكان الذين تعرضوا للتشويه أو الإعاقة اثناء الحرب في العراق، أو أولئك الذين تعرضوا للتعذيب أو سجنوا خطأ في المعسكرات الأمريكية، اضافة إلى كشف المعلومات المهمة التي تهم الشعب الأمريكي البسيط الذي لم يعرف الكثير عن دوائر ارتباط أصحاب النفوذ والمال بالحروف ممن ينعمون بصداقات في البيت الأبيض، أو أسرار العسكريين القدامى المتخصصين الذين يبيعون قصص الإشاعات المتعلقة بالحرب.
قضية بارستاو مثلاً بنيت على جهد عامين من التنقيب في الملفات واستخدام قانون حرية الوصول إلى المعلومات، والتي أدت في النهاية إلى كشف 8.000صفحة من ملفات الحكومة. وهذه التقارير توضح كيف قام دونالد رامسفيلد والعاملون معه بتشكيل وبناء مجموعة متوافقة ومتواطنة من الذين يجعجعون عبر الشاشات الفضائية. هؤلاء المحللون الذين يظهرون على الفضائيات، لهم تأثير على الناس أكبر من تأثير الساسة ورجال الدولة والمسؤولين. هؤلاء هم الذين رسموا ملامح التغطيات الصحفية التي تتعلق بالإرهاب من داخل الاستوديوهات التلفزيونية الكبيرة، والبرامج الحوارية في الاذاعة.
على ما يبدو أن الماكينة العسكرية الأمريكية تعلمت من دروس فيتنام عندما خسرت حربها الإعلامية الدعائية. لذلك هذه المرة لم تقم بالسيطرة الكلية على الإعلام، وإنما قامت بدعم أشخاص على أنهم اخصائيون في التحليل من ذوي وجهات نظر موضوعية. وقامت بتوزيع مقاطع من الأخبار "التوددية" على الفضائيات، ودفعت مبالغ من المال لكتاب الأعمدة لكتابة ما تسعى البنتاغون لنشره من الأخبار.
ولجأ البنتاغون للخبراء العسكريين لأن خبراءه لاحظوا أن خبراء التحليل الخاصين بالفضائيات لم يعد بالامكان الوثوق بهم، أو أنهم لم يعودوا يظهرون في الفضائيات بما يكفي لبث حكاياتها وتغطية مشاريعها المستقبلية إعلامياً.
الوضع في بريطانيا يختلف، فرغم سقطات محطات التلفزة البريطانية بين حين وآخر، إلا أن هناك احترام وشعور بمصداقية المحللين الذين يظهرون على الشاشات مثل فرانك غاردنر أو جون سيمبسون وغيرهم من المختصين. على عكس ما يجري في المحطات التلفزيونية الأمريكية حيث تقوم الدولة بدفع ثمن باهظ مقابل تسويق حبكة سياسية وتضخيمها إعلامياً حتى لو اقتضى الأمر فعل ذلك على امتداد سنوات.
من الصعب تخيل مثل هذه العلاقة بين الحكومة البريطانية والمختصين الإعلاميين البريطانيين ممن كانوا يعملون في الجيش سابقاً ومن شابههم من المحللين. قادة الجيش البريطاني القدامى والعسكريون يظهرون عادة على شاشات التلفزيون وهم ينتقدون بشدة الحكومة الحالية، وسوء اختيارها لأولوياتها المتعلقة بالإنفاق، كما تراهم يصرحون بكراهيتهم العلنية لكل من توني بلير رئيس الحكومة السابق، وغوردون براون رئيس الحكومة الحالي. كما تسمع القادة العسكريين عندما يستضافون على الهواء في الاذاعة، او عندما يكتبون للصحافة يوجهون وابلاً من الانتقادات للمسؤولين عن الخزينة البريطانية، ويتذمرون من السكن السيىء المتاح، كما ينتقدون الوزراء الحاليين الذين يقومون بالتحدث عما يشير الى اطالة مدة فترة البقاء في العراق او افغانستان. ومهما كان تأثير الحكومة على الاعلام في بريطانيا، الا انه يختلف تماماً عن اسلوب امريكا في امتطاء ظهر الاعلام للقيام بحياكة مكائدها الدولية.
الحكومة الامريكية لعبت دورها مع الاعلام بذكاء هذه المرة. اتفاقياتها مع المحللين، والمسؤولين في قنوات التلفزة كانت مرتبة من خلال المقاولين العسكريين العاملين لصالح البنتاغون. ولم يكن الامر لينتهي بفضيحة. لم يكن على البنتاغون ان يقدم اموالاً بشكل مباشر لأي احد. كما تم ترتيب الامر بحيث لا تقوم المحطات الفضائية بسؤال ضيوف حلقاتها من المحللين السياسيين من اين اتوا بمعلوماتهم وماهي مصادرهم؟ كما لم يسألوهم عن مصالحهم الخارجية المتعلقة بالمواضيع المطروحة.
وتبدو جميع المعلومات كإشارات وايماءات من صنف.. يبدو أنه.. ووصلنا انه.. وقيل.. وقال، وبضعة همزات ولمزات وغمزات لكنها في النهاية تؤدي الغرض الذي من اجله تم استضافة ذلك المحلل او ذاك ليبدي رأيه في قضية ما. تغير الوضع عن الاسلوب الذي استخدم في فيتنام، وتطور عن ذي قبل، ولم يعد عملية مقايضة نقد مقابل تسويق المعلومات. بل اصبح اشاعات ودعايات مقابل الحصول على خدمات اخرى. الموضوع يشبه تبادل المعروف. قدمت لك خدمة لذلك أدِّ لي خدمة مقابلها. وفي هذا خروج من مأزق الاتهام بالتابطؤ واستخدام الاساليب المرفوضة ان تم اكتشاف ذلك علناً. إذ لا يوجد اي دلائل على دفع ثمن لتلك المعلومات.
وبالنسبة لبريطانيا من النادر ان يهتم السياسيون بالاحوال الاقتصادية المتعلقة باستثمارات الشركات الخاصة، لا لشيء إلا لأنه في الواقع لم يعد هناك اهتمامات اقتصادية او تصنيعية ذات حجم مارد بشكل يبرر مثل هذا الاهتمام كما هو احلال في امريكا. ومصادر القوة والنفوذ لرجال الاقتصاد البريطاني تكاد تنحصر في البنوك، والتمويل وبعض كبار التجار الكبار الذين تعتبر طرقهم ممهدة على اي حال. ولا يوجد هناك من يسألهم او يتعرض لهم عبرالاعلام، عدا ربما شخصية او اثنتين مثل السير ألان شوغار او ريتشارد بارنسون. بقية الاسماء تمر على الاعلام مرور الكرام عندما يتعرض بنك لضائقة مالية او تتسرب حكاية فضيحة.
الحكومة الامريكية لديها علاقة مركبة ومعقدة تربط بين دوائر الاعلام والجهاز العسكري والجانب الاقتصادي. بينما اقتصاد بريطانيا يدار من قبل المغامرين في سوق المال، غالبيتهم ينعمون بدعم بعض السياسيين، وقليل منهم تتعرض له الجهات الإعلامية. عالمهم شبه مغلق. يدخلون صفحات الجرائد عندما يكون هناك شائعات حول صفقات بناء ضخمة، او ارتفاع مفاجئ في اسعار العقارات، او مشروع لتسويق اغذية رخيصة الثمن وفي متناول ذوي الدخل المحدود.
والنظام الامريكي الاعلامي المسيس الحالي في حالة انهيار، وجاءت ردة الفعل العنيفة من قبل الناس بعد اكتشاف حجم الكذبة التي تم نسجها حول شن حرب على العراق بدعوى وجود اسلحة دمار شامل لم يتمكن البيت الابيض من تقديم اي اثباتات على وجودها. وكشفت المؤامرة لأن من يطلق عليهم تسمية "الخبراء" فشلوا فشلاً ذريعاً في رقع خرم الاوزون السياسي الذي قامت سياسة امريكا بثقبه، ولم يعد بإمكان اي ابرة اعلامية رتق مثل هذا التهتك المفضوح. فبدأت الادارة الامريكية بدفع ثمن عدم توظيف اشخاص نزيهين، والسماح بنقاشات مفتوحة حول استراتيجيات البنتاغون ومكائد البنوك وانظمتها.
كل ذلك سبب حرجاً كبيراً للاعلام الامريكي، ولم يعد بإمكان الاعلام في مؤسسات مختلفة الاجابة على اسئلة موحدة بسيطة. تضاربت الاخبار وتضاربت المصالح بسبب وجود اتفاقات من الباطن على تسويق كذبات وتلفيق قصص جرت على مستوى شخصيات كبيرة.
سجل معنا بالضغط هنا
1
وماذا عن الاعلاميين العرب اللذين باعوا ضمائرهم (وماأكثرهم) سواء بمقابل أو من دون مقابل وأصبحوا معاول هدم لمجتمعاتهم بتوجيه أمريكي مباشر أو غير مباشر.
صريح جدا (زائر)
UP 0 DOWN07:15 صباحاً 2008/07/20
2
صحيح كلامك يا أخ\ صريح جداَ
و إعلان هذا الامر بشكل واضح أصبح ارهاباً و نشر للفكر المكفرّ و غيرها من المسميات
الماوردية (زائر)
UP 0 DOWN01:41 مساءً 2008/07/20