"علي البشير" رجل في الأربعينيات من عمره، كان يتبع قطيعا من الإبل لأحد الأثرياء الموريتانيين، بمنطقة "مجيك" في الصحراء الغريبة قرب الحدود مع موريتانيا، عندما انفجر به لغم أرضي، أفقده ساقه وجعله يعيش إعاقة دائمة منعته من مواصلة مهنته التي تعود عليها منذ نعومة أظفاره ويوفر منها قوته وقوت أسرته، وهي رعي الإبل.
يروي علي حكايته قائلا "كنت ذات مساء استحث قطيعاً من الإبل باتجاه بلدة "بير أم غرين" على الحدود الموريتانية، وفجأة انحرف فصيل عن القطيع، فتبعته لأعيده إليه، وأثناء ذلك وقع انفجار كبير لم أعرف ما هو، وسقطت على الأرض مغشيا علي، وبقيت هناك مضرجا بدمائي ملقيا على الأرض، قبل أن ينقلني بعض المارة إلى بلدة "آغوينت" في الصحراء الغربية، حيث تلقيت العلاج واستعدت وعيي، وأخبروني هناك أنني تعرضت لانفجار لغم أرضي، وأني فقدت رجلي وساقي بسبب الانفجار. حالة "علي البشير" هي مجرد نموذج بسيط لمئات الحالات المنتشرة في طول الصحراء الغربية وعرضها، والتي تعرض أصحابها لانفجرات ألغام وقنابل قتل بعضهم بسببها، وأصيب آخرون بإعاقات دائمة، لذلك لم يكن غريبا أن تستقبلنا التحذيرات من خطر الألغام والقنابل العنقودية والأجسام المتفجرة، عند دخولنا الصحراء الغربية، حيث استقبلتنا في منطقة "تفاريتي" بالصحراء لوحة كبيرة كتبت عليها عبارة "الصحراء الغربية من الأماكن الأكثر تلوثا في العالم بالألغام والذخائر غير المتفجرة.. توخى الحذر.. لا تلمس أو تحرك تلك الذخائر بأي شكل من الأشكال".
ويقول مسؤولو الأمم المتحدة القائمون على حملة إزالة الألغام والذخائر والأجسام المتفجرة في منطقة الصحراء الغربية، إنها تصنف ضمن المناطق العشرة في العالم الأكثر تلوثا بهذه الأجسام المتفجرة، وتخلف تلك الألغام والقنابل العنقودية كل سنة أعدادا من القتلى والمعوقين في صفوف السكان الذين يجوبون تلك الصحراء طولا وعرضا خلف مواشيهم، والتي يفقدون منها كذلك الكثير بسبب الألغام.
وتقول المنظمات غير الحكومية العاملة في المنطقة، إن الصحراء الغربية تحتضن تحت رمالها الزاحفة، وفي سهولها الشاسعة، وبين كهوف ومغارات جبالها الوعرة، ملايين الأجسام المتفجرة التي تتربص بالسكان وقطعانهم يوميا، وقد استطاعت بعض المنظمات العاملة في مجال مكافحة الألغام وحظرها، تحديد منطاق تعتبر الأكثر تلوثا بالألغام والأجسام المتفجرة في الصحراء، خصوصا في مناطق ما يعرف بالجدار العازل بين المملكة المغربية وجبهة البوليزاريو، الذي أقامته القوات المغربية بهدف منع مقاتلي الجبهة من التسلل إلى الجانب المغربي لتنفيذ عمليات قتالية.
ويقول "أحمد سيدي" ممثل منظمة "لاند ماين آكشن" العاملة في مجال مكافحة الألغام في الصحراء الغربية، إن "الحاجز الملغم" بين "البوليزاريو" والقوات المغربية، يعتبر أكثر المناطق تلوثا بالألغام عبر العالم، هذا فضلا عن مناطق أخرى عديدة في الصحراء الغربية، ويؤكد أن منظمته لا تملك إحصائيات موثقة عن حجم التلوث بالألغام في منطقة الصحراء الغربية، لكن مصادر في جبهة البوليزاريو تتحدث عما يتراواح بين ثمانية وعشرة ملايين لغم وقنبلة غير منفجرة تننتشر في مختلف أرجاء الصحراء الغربية، ويؤكد أن منظمته بدأت العمل في الصحراء منذ أغسطس سنة 2006، بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار في الصحراء الغربية "المينرصو" وجبهة "البوليزاريو"، وكانت المرحلة الأولى من عملها تتمثل في رصد المناطق الملوثة ووضع الخرائط لها، مضيفا أنهم أنهوا مرحلة وضع خرائط للمناطق التي تم رصدها في شمال الصحراء الغربية، وبعض المناطق الجنوبية، والبالغ عددها حوالي 135منطقة ملوثة بالقنابل العنقودية والألغام، وهي في الواقع مجرد نقطة في بحر لا سحال له، من الألغام والمتجرات.
وقد شرعت المنظمة في تنفيذ المرحلة الثانية المتمثلة في عمليات التنظيف من الألغام، حيث تمكنت حتى الآن من التخلص من زهاء ألف جسم متفجر، أغلبها من الألغام المضادة للأفراد، إضافة إلى الألغام المضادة للدبابات والقنابل العنقودية والقنابل الأخرى، التي ألقت بها الطائرات - أثناء الحروب التي شهدتها المنطقة - ولم تنفجر، لكن الأمر يتعلق بعدد لا يتجاوز ألف جسم من بين ملايين الأجسام المتفجرة، وهو ما دفع بعض سكان المنطقة إلى وصف تلك الجهود المتواضعة بأنها أقرب إلى العبثية، مؤكدين أن إزالة الخطر تتطلب تضافر جهود المجتمع الدولي، وقبل ذلك جهود دول المنطقة. وقد رصد المنظمة غير الحكومية "لاند ماين آكشن" التي تتخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرا لها، عشرات المناطق التي تعتبر الأكثر خطرا في الصحراء الغربية، وهي مناطق "بير الحلو" و"تفاريتي" و"لمهارس" و"حاسي مشظوف" ومنطقة "مجيك"، وتنتشر الألغام والأجسام المتفجرة في مناطق تخضع لسيطرة السلطات المغربية، وأخرى تحت سيطرة جبهة البوليزاريو، هذا فضلا عن مناطق في عمق الأراضي الموريتانية.
ويقول القائمون على مركز معالجة ضحايا الألغام، إن حوالي 250شخصا يتلقون العلاج والمساعدة حاليا في مركز أقيم لهذا الغرض في بلدة "تفاريتي" وسط الصحراء الغربية، هذا فضلا عن أن العشرات توفوا نتيجة إصابات بالغة جراء انفجار ألغام أو قنابل عنقودية عليهم.