د. نصيف يرد على حليمة:
أ. د. عبدالله بن محمد بن نصيف@
قرأت ما كتبته حليمة مظفر في جريدة "الرياض" العدد 14602الصادر بتاريخ 1429/6/12ه بعنوان "لا تلوي عنق الحقيقة.. وأثبت نظريتك حول مدائن صالح بدليل واحد".
سوف أناقش في هذا المقال عدداً من النقاط التي تطرقت إليها الأخت الكاتبة في مقالها المشار إليه، وسأجيب على كل ما ورد فيه من تساؤلات بالمنطق العلمي. وأبدأ بما جاء في عنوان مقالها فهي تطالبني بإثبات نظرية لا علم لها بها، ثم أن النظريات العلمية لا تثبت على صفحات الجرائد أو المجلات، بل تطرح وتناقش في مجلات علمية محكمة أو ندوات علمية متخصصة، وبحضور علماء وباحثين متخصصين.
لقد ورد فيما كتبته الأخت الكريمة تحت العنوان المذكور أعلاه، العديد من المغالطات ورمتني بكثير من الاتهامات ومنها الكذب والجهل، لماذا؟ لأنني كشفت سوءة تقاريرها المنشورة ولما لم تجد ما تفند به كلامي فقد لجأت إلى الكلام الهائم العائم. والقراء، في اعتقادي كالقضاة في المحكمة يريدون وضع النقاط على الحروف عند سماع الإدعاء ولذلك فإنني هنا في هذا المقال سأذكر نص قولها بالحرف الواحد ليكون القارئ على بينة من الأمر.
لقد كتبت في مقالها الذي نحن بصدده، ما نصه: "آلية العمل الإعلامي لا يدركها الدكتور نصيف حيث تضمن ما كتب في كلا مقالتيه الحالية والسابقة منذ سنتين عبارات مليئة بالتجني والمجانية وتخلو من المنطق العلمي.." انتهى. وأقول أن المنطق العلمي يحتم ذكر نص الجملة التي وردت في مقالتي بمعناها الكامل ليعرفها القراء ثم يتم الرد عليها بما يدحضها إن كان هناك ما يدحضها.
فما الذي يدفعني للتجني ولماذا لا نقبل الحقيقة التي ننشدها جميعاً، فأنت نشرتي تقارير فيها معلومات غير صحيحة فيها تضليل للجريدة وقرائها، ومن هذه المعلومات العنوان الكبير "اكتشاف مدينة جديدة شمال السعودية"، مع أن المدينة مكتشفة ومعروفة منذ عام 1968م. وقمت بتحقيق هويتها في عام 1979م، وتم التنقيب فيها منذ أكثر من ربع قرن، لذا كان من واجبي تبيان الحقيقة، فكتبت في عكاظ العدد 14581ما نصه:
".. وقد تبادر إلى ذهني عند قراءة الخبر قصة أصحاب الكهف الذين غابوا عن الدنيا حيناً من الدهر، وعندما صحوا من نومهم لم يدركوا أنهم كانوا في غيبة طويلة ويبدو أن الكاتبة كانت خلال السنين الماضية في غفلة..". وقد أوضحت في ذلك المقال كثيراً مما كتب عن هذه المدية، وما نشر عنها في الكتب والمجلات العلمية التي تجهلها ولم تطلع عليها.
وفي جريدة الشرق الأوسط العدد 10029كتبت حليمة مظفر مقالاً أنكرت فيه مرور الرسول صلى الله عليه وسلم بالحجر (مدائن صالح)، فقالت ما نصه:
".. ربما نزل في مكان آخر وليس المدائن، وكل ما لدينا هو من المصادر المقروءة القديمة التي أشارت إلى الحجر، ولم تشر تحديداً إلى المنطقة التي ينزل فيها الرسول.. إلخ"، واستنكرت في مقالها هذا إخراج الساكنين بالحجر، وتعويضهم عن مزارعهم، والذي جاء نتيجة لقرار هيئة كبار العلماء بالمملكة، وقالت إن الجبال المنحوتة تمتد من مدائن صالح إلى تبوك، وهذا الكلام غير صحيح على الإطلاق؛ فلا توجد جبال منحوتة تمتد إلى تبوك، ولا هي على معرفة بالمصادر وما ورد فيها، وقد أوضحت في مقالي المنشور في عكاظ كل هذه الأخطاء والمغالطات، وختمته بتقديم الشكر الجزيل لها على اهتمامها، واجتهادها؛ حيث أحسنت الظن بها، ولكنها لم تقتنع، فعادت وكتبت في جريدة الشرق الأوسط في العدد 10146مقالاً أصرت فيه على رأيها فما كان مني إلا أن تجاهلتها، وتجاهلت الرد عليها، آخذاً بنصيحة المتنبي:
ومن البلية عذل من لا يرعوي
عن جهله وخطاب من لا يفهم
وعادت الأخت حليمة للظهور، وكان ذلك على شاشة القناة الأولى السعودية، وبدلاً من مراعاة الالتزام بأخلاق المهنة وآدابها نجدها تستغل البرنامج الذي تعده وتقدمه؛ حيث أثارت الموضوع نفسه لتظهر بأن قولها هو الحق، وأن قولي هو الباطل، وهذا تعدي على أخلاق المهنة الإعلامية في التلفزيون. فكتبت في جريدة "الرياض" العدد 14585فندت فيه كل المغالطات والأخطاء التي أثارتها مع ضيفها، ونعتها بالجهل، وهي كلمة عوراء، ما كان من اللائق النطق بها، ولكن ماذا أقول لأبي الطيب؟
وفي كل ما كتبته هذه السيدة، أو تحدثت به عن مدائن صالح نجدها أحياناً تورد معلومات لا أساس لها، وأحياناً تقتات على ما يقدمه لها الآخرون. فذكرت في مقالها المنشور في جريدة "الرياض"، أنها أخذت معلومات من الدكتور خالد إسكوبي، وكتبت ما نصه: ".. والذي يحاول نصيف في مقاليه إنكار تخصصه ومجهوده الميداني الرائع وصدقه العلمي حيث أنكر نصيف في مقاليه استشرافي بآراء متخصصة في التقارير التي أعددتها في جريدة الشرق الأوسط مما أثار دهشتي.
وبدوري أنا أيضاً اسألها هذا السؤال؟ وأؤكد للكاتبة أن الدكتور إسكوبي غير متخصص في آثار مدائن صالح وليس له دراسات عنها وكان الأجدر بها أن تسأل أستاذه الدكتور سليمان الذييب، الذي درس نقوش الحجر (مدائن صالح) ونشر كتاباً عنها. وأؤكد لها أيضاً أن خالداً لم ولن ينكر علاقة ثمود بمدائن صالح كما تظن لأنه من أهل الصلاح ولا ازكي على الله أحداً، وأما صدقه العلمي ومجهوده الميداني الرائع، فلم أنكره ولم اذكره ولا اشك فيه وقد أدركت الآن أن الكاتبة لا تدعي العلم بالآثار فحسب، بل تقف كذلك في مصاف المحكمين العلميين للأعمال الأثرية وتقيمها.
وتواصل الكاتبة مقالها فكتبت ما نصه: ".. والحقيقة التي يحاول نصيف أضاعتها في تعصب علمي باحتكار فضل العلم لنفسه هي أن آثار مدائن صالح الشاخصة.. نبطية وليست ثمودية".
وهنا لا يسعني إلا أن أطالبها بذكر نص واحد ورد في مقالتي يؤكد صدق قولها، لكنها سوف تعجز وعندها ستعرف الحقيقة.
وتقول ما نصه: ".. ولو يعرف نصيف وهو الأثري المتخصص كم نضيع على الوطن من هذه الثروة الأثرية غير المستغلة لأدرك جهل تعصبه لرأي لا يثبته دليل علمي..".
وأسألها في أي مقالة أعلنت فيها بأنني ضد الآثار وضد استغلالها سياحياً وأنا عضو في هذه وتلك. أما الرأي الذي أتعصب له ولا يثبته دليل علمي كما تقول فهو واضح وهو أن الحجر (مدائن صالح) هي حجر الثموديين قبل أن تكون حجر الأنباط وذلك بموجب الأحاديث التي وردت عن رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
وتواصل الكاتبة فتقول ما نصه ".. ولو يعرف أن هذه المنطقة من شأنها إذا ما أعيد النظر في الفتوى ضمن لجنة شرعية أثرية علمية أن تتحول إلى أخرى حية استثمارية..".
وأقول لها: إن هذه الجملة لا محل لها عندي من الإعراب فلست مفتياً ولا مسؤولاً عن هذه الفتوى.
وتضيف السيدة الكاتبة قائلة ما نصه: ".. جميع التقارير الصحفية التي تناولتها سابقاً في جريدة الشرق الأوسط منذ أكثر من عامين والتي كان لها الفضل بعد الله تعالى في البدء بصحوة أثرية إعلامية في صحفنا..".
وهذا القول لا يخرج عن أمرين فإما يكون هو الإدعاء أو هو عدم المعرفة والاطلاع، فهي ربما تعتقد أنها الصحفية الوحيدة التي زارت العلا ومدائن صالح.
وتتهمني بأنني بعيد عن الحفريات ولهذا تقول ما نصه: ".. وإلا فليخبرنا متى كان آخر مرة وقف فيها بنفسه على حفرية أثرية في المنطقة..".
ودائماً ما يدل السؤال على مستوى عقل السائل وفكره. وجواباً على السؤال أخبرك أنني ممن وقف ويقف في المنطقة أكثر من أي باحث آخر يخطر على بالك، وكانت أول حفرية تجرى في المنطقة على يديّ وفي الحفريات الأخيرة كنت في الموسم الأول مع زملاء آخرين من شارك بها ورسم الطريق لها.
وأخيراً تنصحني الكاتبة قائلة ما نصه: ".. أخيراً انصحه ببذل مجهود علمي حول ما يزعمه في ثمودية الآثار الشاخصة في مدائن صالح بدلاً من إضاعة الوقت في كتابة تعليقات صحفية..".
وهنا اتفق معك بأن الأدعياء والمتطفلين على أي علم لا يستحقون التعليق على ما يهذرون. ولكن من قال لك أنني ازعم ثمودية الآثار الشاخصة في مدائن صالح وكيف تدعين عليَّ بشيء لم أقله لا نطقاً ولا كتابة؟ وهنا لا أوجه إليك أي لوم، فلعل عجزك عن فهم الآثار وما يطرح فيها من أفكار جعلك تتخبطين في هذا الموضوع، ولك أن ترجعي إلى ما كتبته في كلتا المقالتين، ولك أن تستعيني بالآخرين وسوف تدركين سوء فهمك.
هذا وأسأل الله أن يرينا جميعاً الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنبابه.
جامعة الملك سعود