يرى بعض المديرين أنّ حقول تقويم الأداء الوظيفي تعني الكمال!! مما يجعلهم يبخسون الناس حقوقهم؛ فإذا كان عدد الحقول عشرين حقلاً - مثلاً - فإن الموظف عندهم سيخسر عشرين درجة على أقل تقدير، فسعادة المدير يرى أن الموظف يستحق ست درجات من السَّبع وخمساً من الست لأن إعطاء سبعاً من سبع وستاً من ست شهادة بالكمال والكمال مستحيل!!
فيما يرى عدد آخر من المديرين أن السَّبع حقٌ شرعي للموظف لا يجوز أن يُنقص منها إلا بسبب مقنع وحجة مقبولة نظاماً، فالموظف عند هؤلاء يستحق مائة من مائة إلا إذا لوحظ عليه خطأ ظاهر أو تقصير ملحوظ وقد نُبِّه إليه مسبقاً.
ومن عجب أن الصنف الأول من المديرين يرى أنه يستحق مائة من مائة، وقد أعطيها من قبل الجهة التي تكتب له تقويم أدائه الوظيفي، والسؤال هنا: هل بلغ سعادته درجة الكمال؟! أم أن مجرد تعيينه مديراً شهادة له بالكمال والتفوق؟!
وإذا كان الكرسي دواراً فإن المدير لن يظل مديراً دائماً، وفي المقابل فإن المرؤوس ربما أصبح رئيساً، فبأي شعور سينتقل كل منهم إلى عمله الجديد، وأهم من ذلك بأي حال سيلاقي الله تعالى إذا سئل عن الأمانة؟!
إن الفاصل في هذا الأمر هو النظرة الواقعية الصادقة؛ فليس للكرم أو البخل علاقة بتقويم الأداء الوظيفي، وليست درجاته مُلكاً للمدير أو الرئيس، ولا يجوز بحال أن تكون مجال تنفيس أو تشفِّ، كما أن الضوابط التي وُضعت لها نظاماً يجب أن يتوخى فيها العدل والانصاف، وقد قال بعض أئمة المسلمين: لأن أُخطئ في العفو خيرٌ من أن أُخطئ في العقوبة، وللإنسان أعذار فيما يبدو من قصور في عمله قد تظهر للناس أو يقدمها رلى مديره أولاً.. وقد علَّمنا التاريخ ماذا قال عمر الخطاب للصحابي الجليل الذي شكاه بعض الناس وما لاحظوا عليه من ملاحظات - إدارية - في ولايته وقيامه بالعمل، وحينما سأله بإلحاح - أجاب رضي الله عنهم جميعاً بما أصبح مفخرة له وصار ما ظُنَّ أنه سيئات حسنات حملها تاجاً على رأسه مما حدا بعمر أن يقول (الحمد لله الذي لم يخيب ظني فيه).
أو كما قال رضي الله عنه.. وكم نرى اليوم مما يحسب سيئة في نظر بعض الناس هو حسنة في نظر العقلاء والمنصفين، والمجاملة لا تبني بيتاً ولا تنجز علماً؛ فإذا أعطى المدير الكريم موظفاً تقدير (امتياز) وهو لا يستحقه فإنهَ ذلك ظلم وجناية لأعلى الموظف فحسب بل على الجهاز كله والإدارة بعامة.. فالجادُّون ستخيب آمالهم ويصابون بإحباط ويقل عطاؤهم والمهملون الهازلون سيتمادون في ضعفهم وقصورهم، ولا يمكن أن تدوم العلاقات بين الناس، فأصدقاء الكرسي سيتوارون بمجرد انتقالك عنه وينسونك بمجرد ارتحالك عن الكرسي ولا ينفعك إلا عملك الصالح وإخلاصك لله تعالى وإنصافك وحبك الخير للناس جميعهم. ولله در الشاعر حينما قال:
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثاني
بقي أن أقول إن بعض المديرين تتغيَّر نظرته لموظفه بسبب موقف واحد فقط، فقد ترى موظفاً جاداً نشيطاً طوال العام.. وترى عنده نقاط قوة كثيرة وإبداعاً متميزاً، ثم ترى المفاجأة أنه لم يحصل في تقويم الأداء الوظيفي إلا على تقدير (جيد)، والسبب هو موقف واحد لم يعجب سعادة المدير في نهاية العام مما حدا به أن ينسى جهده على مدى عام كامل!!
وقريب من هذا أن يكون عند الموظف مئات الإيجابيات ومواطن القوة وحسن الأداء وخدمة الإدارة أو الشركة ولديه جانب ضعف واحد أو اثنان لكنها لم تؤثر على أدائه، ولكن (عنترية) مديره وصَلَفَهُ لم تنظر إلا إلى الجانب السلبي ولم تتأثر إلا به، ونسيت كل الحسنات فحرمت الموظف من التكريم والتشجيع بالدورات ولم يمنح إلا تقديراً ضعيفاً!! وهذا يُذكِّرني برجل يدعي أنه يجيد قيادة السيارة بمهارة وهو يسير في صحراء ليس فيها إلا شجرة واحدة.. فقال لصاحبه أنا قائد ماهر إن سلمت من تلك الشجرة؛ ولكنَّ صاحبنا عمد إلى جعلها أمامه تماماً وسمَّر باتجاها مقود السيارة حتى اصطدم بها، ولما سئل عن ذلك قال: ألم أقل لكم: (إني قائد ماهر إن كفاني الله شرهَ تلك الشجرة)!!